قوله تعالى : (حَتَّى إِذا بَلَغُوا النِّكاحَ) قال ابن قتيبة : أي : بلغوا أن ينكحوا النّساء (فَإِنْ آنَسْتُمْ) أي : علمتم ، وتبيّنتم. وأصل : آنست : أبصرت. وفي الرّشد أربعة أقوال : أحدها : الصّلاح في الدّين ، وحفظ المال ، قاله ابن عباس ، والحسن. والثاني : الصّلاح في العقل ، وحفظ المال ، روي عن ابن عباس والسّدّيّ. والثالث : أنه العقل ، قاله مجاهد ، والنّخعيّ. والرابع : العقل ، والصّلاح في الدّين ، روي عن السّدّيّ.
فصل : واعلم أنّ الله تعالى علّق رفع الحجر عن اليتامى بأمرين : بالبلوغ والرّشد ، وأمر الأولياء باختبارهم ، فإذا استبانوا رشدهم ، وجب عليهم تسليم أموالهم إليهم.
والبلوغ يكون بأحد خمسة أشياء ، ثلاثة يشترك فيها الرّجال والنّساء : الاحتلام ، واستكمال خمس عشرة سنة ، والإنبات ، وشيئان يختصّان بالنّساء : الحيض والحمل (١).
قوله تعالى : (وَلا تَأْكُلُوها إِسْرافاً) خطاب للأولياء ، قال ابن عباس : لا تأكلوها بغير حقّ.
__________________
(١) قال القرطبي رحمهالله في «تفسيره» ٥ / ٣٨ : واختلف العلماء في تأويل «رشدا» على أقوال ـ وذكرها ـ قال سعيد بن جبير والشعبي : إن الرجل ليأخذ بلحيته وما بلغ رشده ، فلا يدفع إلى اليتيم ماله وإن كان شيخا حتى يؤنس منه رشده. وهكذا قال الضّحاك ، وأكثر العلماء على أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ ، وعلى أنه إن لم يرشد بعد بلوغ الحلم وإن شاخ لا يزول الحجر عنه ، وهو مذهب مالك وغيره. وقال أبو حنيفة : لا يحجر على الحرّ البالغ إذا بلغ مبلغ الرجال ، ولو كان أفسق الناس وأشدهم تبذيرا إذا كان عاقلا. وبه قال زفر بن الهذيل ، وهو مذهب النخعي. واحتجوا في ذلك بما رواه أنس أن حبّان بن منقذ كان يبتاع وفي عقدته ضعف ، فقيل : يا رسول الله احجر عليه ، فإنه يبتاع وفي عقدته ضعف. فاستدعاه النبي صلىاللهعليهوسلم فقال : «لا تبع». فقال : لا أصبر. فقال له : «فإذا بايعت فقل لا خلابة ولك الخيار ثلاثا». قالوا : فلما سأله القوم الحجر عليه لما كان من تصرفه من الغبن ولم يفعل عليهالسلام ، ثبت أن الحجر لا يجوز. وهذا لا حجة لهم فيه ، لأنه مخصوص بذلك ، فغيره بخلافه. وقال الشافعي : إن كان مفسدا لماله ودينه ، أو كان مفسدا لماله دون دينه حجر عليه ، وإن كان مفسدا لدينه مصلحا لماله فعلى وجهين : أحدهما يحجر عليه ، وهو اختيار أبي العباس بن شريح.
والثاني : لا حجر عليه ، وهو اختيار أبي إسحاق المروزيّ والأظهر من مذهب الشافعي. وإذا ثبت هذا فاعلم أن دفع المال يكون بشرطين : إيناس الرشد والبلوغ فإن وجد أحدهما دون الآخر لم يجز تسليم المال ، كذلك نص الآية ، وهو رواية ابن وهب عن مالك. وهو قول جماعة الفقهاء إلا أبا حنيفة وزفر والنخعي فإنهم أسقطوا إيناس الرشد ببلوغ خمس وعشرين سنة. قال أبو حنيفة : لكونه جدّا وهذا يدل على ضعف قوله حسب ما تقدم وما ذا يعني كونه جدّا إذا كان غير جدّ ، أي بخت. إلا أن علماءنا شرطوا في الجارية دخول الزوج بها مع البلوغ ، وحينئذ يقع الابتلاء في الرشد. ولم يره أبو حنيفة والشافعي. وفرّق علماؤنا بينهما بأن قالوا : الأنثى مخالفة للغلام لكونها محجوبة لا تعاني الأمور ولا تبرز لأجل البكارة فلذلك وقف فيها على وجود النكاح ، فيه تفهم المقاصد كلها. والذكر بخلافها ، فإنه بتصرفه وملاقاته للناس من أول نشئه إلى بلوغه يحصل له الاختبار ، ويكمل عقله بالبلوغ ، فيحصل له الغرض. وما قاله الشافعي أصوب. ثم زاد علماؤنا فقالوا : لا بد بعد الدخول من مضي مدة من الزمان تمارس فيها الأحوال. قال ابن عربي : وذكر علماؤنا في تحديدها أقوالا عديدة : منها الخمسة الأعوام والستة والسبعة في ذات الأب ، وجعلوا في اليتيمة التي لا أب لها ولا وصي عليها عاما واحدا بعد الدخول وليس في هذا كله دليل ، وتحديد الأعوام عسير. والمقصود من هذا كله داخل تحت قوله تعالى : (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً) فتعين اعتبار الرشد ولكن يختلف إيناسه بحسب اختلاف حال الراشد. فاعرفه وركّب عليه واجتنب التحكّم الذي لا دليل عليه.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
