وفي المحيض قولان : أحدهما : أنه اسم للحيض ، قال الزجّاج : يقال : قد حاضت المرأة تحيض حيضا ومحاضا ومحيضا. وقال ابن قتيبة : المحيض : الحيض. والثاني : أنه اسم لموضع الحيض ، كالمقيل ، فإنه موضع القيلولة ، والمبيت موضع البيتوتة. وذكر القاضي أبو يعلى أن هذا ظاهر كلام أحمد. فأما أرباب القول الأوّل ؛ فأكّدوه بأن في اللفظ ما يدل على قولهم ، وهو أنه وصفه بالأذى ، وذلك صفة لتفسير الحيض ، لا لمكانه. وأما أرباب القول الثاني ، فقالوا : لا يمتنع أن يكون المحيض صفة لموضع ، ثم وصفه بما قاربه وجاوره ، كالعقيقة ، فإنها اسم لشعر الصبيّ ، وسميت بها الشاة التي تذبح عند حلق رأسه مجازا. والرّاوية : اسم للجمل ، وسميت المزادة راوية مجازا. والأذى يحصل للواطئ بالنّجاسة ، ونتن الرّيح. وقيل : يورث جماع الحائض علّة بالغة في الألم. (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ) ، المراد به اعتزال الوطء في الفرج ، لأن المحيض نفس الدّم أو نفس الفرج ، (وَلا تَقْرَبُوهُنَ) ، أي : لا تقربوا جماعهنّ ، وهو تأكيد لقوله : (فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ). قوله تعالى : (حَتَّى يَطْهُرْنَ) ، قرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، وابن عامر ، وحفص ، عن عاصم (حتى يطهرن) خفيفة. وقرأ حمزة ، والكسائيّ ، وخلف ، وأبو بكر ، عن عاصم (يطّهّرن) بتشديد الطّاء والهاء وفتحهما. قال ابن قتيبة : يطهرن : ينقطع عنهن الدم ، يقال : طهرت المرأة وطهرت : إذا رأت الطّهر ، وإن لم تغتسل بالماء. ومن قرأ : «يطّهّرن» بالتشديد أراد : يغتسلن بالماء. والأصل يتطهّرن ، فأدغمت التاء في الطاء. قال ابن عباس ومجاهد : حتى يطهرن من الدم ، فإذا تطهّرن اغتسلن بالماء.
قوله تعالى : (فَأْتُوهُنَ) إباحة من حظر ، لا على الوجوب. قوله تعالى : (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ) فيه أربعة أقوال : أحدها : أن معناه : من قبل الطّهر ، لا من قبل الحيض ، قاله ابن عباس ، وأبو رزين ، وقتادة ، والسّدّيّ في آخرين. والثاني : أن معناه : فأتوهنّ من حيث أمركم الله أن لا تقربوهنّ فيه ، وهو محلّ الحيض ، قاله مجاهد. وقال من نصر هذا القول : إنما قال : (أَمَرَكُمُ اللهُ) ، والمعنى : نهاكم ، لأن النهي أمر بترك المنهيّ عنه ، و «من» بمعنى «في» ، كقوله تعالى : (إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ) (١). والثالث : فأتوهنّ من قبل التزويج والحلال ، لا من قبل الفجور ، قاله ابن الحنفيّة. والرابع : أن معناه : فأتوهنّ من الجهات التي يحلّ أن تقرب فيها المرأة ، ولا تقربوهن من حيث لا ينبغي مثل أن كنّ صائمات أو معتكفات أو محرمات. وهذا قول الزجّاج وابن كيسان. وفي قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) ، قولان : أحدهما : التوّابين من الذنوب ، قاله عطاء ، ومجاهد في آخرين. والثاني : التوّابين من إتيان الحيض ، ذكره بعض المفسّرين. وفي قوله : (وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) ، ثلاثة أقوال : أحدها : المتطهّرين من الذنوب ، قاله مجاهد ، وسعيد بن جبير ، وأبو العالية. والثاني : المتطهّرين بالماء ، قاله عطاء. والثالث : المتطهّرين من إتيان أدبار النساء ، روي عن مجاهد.
____________________________________
يرو عنه سوى ابن إسحاق. وأخرج الطبري ٤٢٣٧ عن السدي أن السائل هو ثابت. وورد من مرسل مقاتل بن حيان ، أخرجه ابن المنذر وابن أبي حاتم كما في «الدر» ١ / ٢٢٢. وذكره الواحدي ١٤٠ بقوله : قال المفسرون. فلعل هذه الروايات تتأيد بمجموعها.
__________________
(١) الجمعة : ٩.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
