قوله تعالى : (فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) ، فيه قولان : أحدهما : فثمّ الله ، يريد : علمه معكم أين كنتم. وهذا قول ابن عباس ، ومقاتل. والثاني : فثمّ قبلة الله ، قاله عكرمة ، ومجاهد. والواسع : الذي وسع غناه مفاقر عباده ، ورزقه جميع خلقه. والسّعة في كلام العرب : الغنى.
فصل : وهذه الآية مستعملة الحكم في المجتهد إذا صلّى إلى غير القبلة ، وفي صلاة المتطوّع على الرّاحلة ، والخائف. وقد ذهب قوم إلى نسخها ، فقالوا : إنها لمّا نزلت ؛ توجّه رسول الله إلى بيت المقدس ، ثم نسخ ذلك بقوله : (وَحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) (١) ، وهذا مرويّ عن ابن عباس.
قال شيخنا عليّ بن عبيد الله : وليس في القرآن أمر خاصّ بالصّلاة إلى بيت المقدس ، وقوله : (فَأَيْنَما تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ) ليس صريحا بالأمر بالتوجه إلى بيت المقدس ، بل فيه ما يدلّ على أنّ الجهات كلّها سواء في جواز التّوجّه إليها ، فإذا ثبت هذا ، دلّ على أنه وجب التّوجّه إلى بيت المقدس بالسّنّة ، ثم نسخ بالقرآن.
(وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً سُبْحانَهُ بَلْ لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ (١١٦))
قوله تعالى : (وَقالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَداً). اختلفوا فيمن نزلت على أربعة أقوال : أحدها : أنها نزلت في اليهود إذ جعلوا عزيرا ابن الله ، قاله ابن عباس. والثاني : أنها نزلت في نصارى نجران حيث قالوا : عيسى ابن الله ، قاله مقاتل. والثالث : أنها في النّصارى ومشركي العرب ، لأنّ النّصارى قالت : عيسى ابن الله ، والمشركين قالوا : الملائكة بنات الله ، ذكره إبراهيم بن السّريّ. والرابع : أنها في اليهود والنّصارى ومشركي العرب ، ذكره الثّعلبيّ.
فأمّا القنوت ؛ فقال الزّجّاج : هو في اللغة بمعنيين : أحدهما : القيام. والثاني : الطّاعة. والمشهور في اللغة والاستعمال أنّ القنوت : الدّعاء في القيام ، فالقانت : القائم بأمر الله. ويجوز أن يقع في جميع الطّاعات ، لأنه إنّ لم يكن قيام على الرّجلين ، فهو قيام بالنّيّة. وقال ابن قتيبة : لا أرى أصل القنوت إلّا الطّاعة ، لأنّ جميع الخلال من الصّلاة ، والقيام فيها والدّعاء وغير ذلك يكون عنها. وللمفسّرين في المراد بالقنوت هاهنا ثلاثة أقوال : أحدها : أنه الطّاعة ، قاله ابن عباس ، وابن جبير ، ومجاهد ، وقتادة. والثاني : أنه الإقرار بالعبادة ، قاله عكرمة ، والسّدّيّ. والثالث : القيام ، قاله الحسن ، والرّبيع. وفي معنى القيام قولان : أحدهما : أنه القيام له بالشّهادة بالعبودية. والثاني : أنه القيام بين يديه يوم القيامة. فإن قيل : كيف عمّ بهذا القول وكثير من الخلق ليس له بمطيع؟ فعنه ثلاثة أجوبة : أحدها : أن يكون ظاهرها ظاهر العموم ، ومعناها معنى الخصوص. والمعنى : كلّ أهل الطّاعة له قانتون. والثاني : أن الكفّار تسجد ظلالهم لله بالغدوات والعشيّات ، فنسب القنوت إليهم بذلك. والثالث : أن كلّ مخلوق قانت له بأثر صنعه فيه ، وجري أحكامه عليه ، فذلك دليل على ذلّه لربّه. ذكرهنّ ابن الأنباريّ.
(بَدِيعُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِذا قَضى أَمْراً فَإِنَّما يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (١١٧))
قوله تعالى : (بَدِيعُ السَّماواتِ). البديع : المبدع ، وكلّ من أنشأ شيئا لم يسبق إليه قيل له :
__________________
(١) البقرة : ١٤٤.
![زاد المسير في علم التفسير [ ج ١ ] زاد المسير في علم التفسير](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3324_zad-almasir-01%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
