وليس لهم ان يقولوا كيف يكون معاقبا في حال هو فيها يستحق الثواب ، لأن ذلك ليس بأبعد من ان يكون مستحقا للثواب في حال هو مكلف وميت وتراب وفي القبر والى أن يحييه الله لأن الثواب يستحق عقيب الطاعة وإن تأخر إلى زمان الفعل بأوقات كثيرة.
وقولهم إنه معلوم ضرورة قبح الذم على الاساءة الصغيرة نحو كسر قلم لمن له احسان عظيم وانعام جليل نحو تخليص النفس من الهلاك والاغناء بعد الفقر والإعزاز بعد الذل ، ولم يقبح ذلك إلا لبطلانهما في جنب ذلك الإحسان بدلالة إنها لو انفردت عنه لحسن ذمه على كسر القلم وإذا ثبت ذلك في المدح والذم ثبت مثله في الثواب والعقاب غير مسلم لأن عندنا يجوز أن يذم بالإساءة الصغيرة وإن استحق المدح بالإحسان الكثير ، ألا ترى أنه لو يذم هذا المسيء بالإساءة الصغيرة على إحسانه الكثير لحسن ذمه على الإساءة الصغيرة ، فلو كان أحبط (١) لما حسن ذلك لأن ما انحبط (٢) لا يرجع عند المخالف. وإذا قالوا معلوم ضرورة ان حال هذا المسيء منفردا من الإحسان بخلاف حاله إذا قارنه الإحسان العظيم ، قلنا ذلك صحيح لأنه إذا انفرد بالإساءة استحق الذم لا غير وإذا جمع بينهما استحق المدح والذم فافترق الحالتان. على أنه يحسن ممن احسن إليه بعض الناس واساء إليه باساءة لا يظهر مزية احدهما على الأخرى ان يمدحه على احدهما ويذمه على الأخرى ، بان يقول احسنت إلى بكذا وكذا ويمدحه ويشكره ، ثم يقول لكنك
__________________
(١) ح : الحبط.
(٢) أ ، ب : ما احبط.
