وإنما قلنا لا تضاد بين الطاعة والمعصية لأنهما من جنس واحد ، بل نفس ما يقع طاعة كان يجوز ان يقع معصية ، ألا ترى ان قعود الانسان في دار غيره غصبا معصية وهو من جنس قعوده فيها بإذنه ، وهو حسن مباح ، وهما جنس واحد. وكذلك لا تضاد بين المستحق عليهما لمثل ذلك بعينه ، لأن الثواب من جنس العقاب ، بل نفس ما يقع ثوابا كان يجوز ان يقع عقابا ، لأن الثواب هو النفع الواقع على بعض الوجوه ، ولا شيء يقع نفعا إلا وكان يجوز ان يقع ضررا وعقابا بأن يصادف نفارا ، ولو كان بينهما تضاد على تسليمه لما تنافى الثواب والعقاب وهما معدومان لأن الضد الحقيقي لا ينافي ضده في حال عدمه ، لأن السواد والبياض قد يجتمعان في العدم.
والتحابط عندهم في المستحقين من الثواب والعقاب ، وهما لا يكونان إلا وهما معدومان لأنهما إذا وجدا خرجا عن كونهما مستحقين. وإن شئت قلت : قد ثبت استحقاق الثواب على الطاعة فلا وجه يقتضي إزالته فيجب ان يكون ثابتا (١) على ما كان ، فان ادعوا ان بينهما تنافيا تكلمنا عليه فيما بعد. وأيضا فالقول بالإحباط يؤدي إلى ان من جمع بين الاحسان والإساءة ان يكون عند العقلاء بمنزلة من لم يحسن ولم يسيء إذا تساوى المستحقان من المدح والذم ، أو يكون بمنزلة من لم يحسن إن كان المستحق على الإساءة أكثر ، أو بمنزلة من لم يسيء إن كان المستحق على الطاعة أكثر والمعلوم خلافة.
__________________
(١) أ : باقيا. ب : بانيا.
