فان قيل : لا نسلم أن المغفرة عبارة عن أن لا يعذب العصاة فى الآخرة. بيانه : أن المغفرة اسقاط العذاب ، والمفهوم من اسقاط العذاب ، أعم من اسقاطه دائما ، أولا دائما. واللفظ الموضوع بإزاء القدر المشترك ، لا اشعار فيه لكل واحد من ذينك القيدين. فاذن لفظ المغفرة لا دلالة فيه على كون الاسقاط دائما.
اذا ثبت هذا فنقول : لم لا يجوز أن يكون المراد : ان الله تعالى لا يؤخر عقوبة الشرك عن الدنيا ، لكن يؤخر عقوبة ما دون الشرك عن الدنيا فى حق من يشاء؟
لا يقال : كيف يصح هذا التأويل ، ونحن لا نشاهد البتة اليوم مزية للكفار فى عقاب الدنيا على المؤمنين؟
لأنا نقول : تقدير الآية : ان الله تعالى لا يؤخر عقاب الشرك فى الدنيا لمن يشاء ، ويؤخر عقاب ما دون الشرك فى الدنيا لمن يشاء. فحصل بذلك تخويف كلا الفريقين. لأن الكفار والفساق يخافون أن يعجل (١٢) عقابهم فى الدنيا ، وان كان لا يفعل ذلك بكثير منهم. سلمنا : أن الغفران عبارة عن الاسقاط بالكلية. فلم قلتم : انه لا يمكن حمله على مغفرة التائب ومغفرة صاحب الصغيرة؟
أما الوجوه الثلاثة الأول : فهى مبنية على أصول المعتزلة. وأنتم لا تقولون بها.
وأما الوجه الرابع : فلا نسلم أن قوله «ما دون ذلك» يفيد العموم والدليل عليه : أنه يصح ادخال لفظى الكل والبعض عليه على البدل. مثل أن يقال : ويغفر بعض ما دون ذلك ، ويغفر كل ما دون ذلك (١٣) وذلك يدل على أن هذه الصيغة لا تفيد العموم ، والا لكان الأول نقضا ، والثانى تكريرا (١٤).
__________________
(١٢) يجعل : ا ـ يعجل : ب
(١٣) ويغفر كل ما دون ذلك ويغفر بعض : ب
(١٤) لكان الأول تكرير والثانى نقضا : ب
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
