(إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) معناه : أنه تعالى لا يغفر له تفضلا ، لزم أن يكون قوله : (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) أى (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) تفضلا ، حتى يكون النفى والاثبات متوجهين الى شيء واحد. ألا ترى أنه اذا قيل : فلان يتفضل بمائة دينار ويعطى العشرة لمن استحقها ، كان الكلام فاسدا ، أما لو قال لا يتفضل بالمائة ولكنه يتفضل بالعشرة ، كان منتظما. ولما كان غفران صاحب الصغيرة وصاحب الكبيرة بعد التوبة واجبا ، امتنع حمل الآية عليهما. فتعين حملها على صاحب الكبيرة قبل التوبة.
وثانيها : انه لو كان قوله تعالى : (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) معناه : أنه يغفر لمن يستحق المغفرة ، كالتائبين وأصحاب الصغائر. لم يبق لتمييز الشرك عن غيره فائدة. لأنه تعالى يغفر ما دون الشرك لمن لا يستحق العقاب ، ولا يغفر لمن يستحق العقاب. فكذلك يغفر الشرك لمن لا يستحق العقاب ، ولا يغفره لمن يستحق العقاب. فلا يبقى البتة لهذا التقسيم والتمييز فائدة.
وثالثها : ان غفران صاحب الكبيرة وصاحب الصغيرة بعد التوبة ، واجب والواجب لا يجوز تعليقه على المشيئة. لأن المعلق على المشيئة هو الّذي ان شاء فعله وان شاء تركه. والواجب هو الّذي لا بد من فعله شاء أم أبى. والمغفرة المذكورة فى الآية معلقة على المشيئة ، فلا يجوز أن يكون المراد منها : هو المغفرة للتائب وصاحب الصغيرة.
واعلم : أن هذه الوجوه بأسرها الزامات مبنية على قول المعتزلة :انه يجب الغفران للتائب ، وصاحب الصغيرة. ونحن لا نقول بذلك.
ورابعها ـ وعليه الاعتماد ـ : ان قوله تعالى : (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ) يفيد القطع بأنه تعالى يغفر كل ما سوى الشرك. وذلك يندرج فيه الصغيرة والكبيرة بعد التوبة وقبلها. ثم قوله بعد ذلك : (لِمَنْ يَشاءُ) يدل على أنه تعالى يغفر كل هذه الأقسام لكن لا للكل بل للبعض. فثبت : أنه تعالى يغفر كل هذه الأقسام للبعض. وذلك هو المطلوب.
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
