قوله : (شَدِيدِ الْعِقابِ) ذكر عقيبه مرة أخرى ما يدل على العفو والصفح. فقال : (ذِي الطَّوْلِ) وكل ذلك يدل قطعا على ترجيح جانب الوعد والاحسان.
التاسع : ان هذا العاصى أتى بأحسن الطاعات ـ وهو الايمان ـ ولم يأت بأقبح القبائح ـ وهو الكفر ـ فأتى فى طبقة الخيرات بما هو الغاية القصوى ، وأتى فى طبقة الشر لا بما هو الغاية ، بل بما هو دون الوسط. والرجل اذا كان له عبد ثم أتى عبده بأعظم أنواع الخدمة والطاعة ، ثم أتى فى باب المعاصى والذنوب بمعصية ، ليست فى غاية القبح ، بل دون الوسط ، فلو أن المولى رجح تلك المعصية الخفيفة ، على تلك الطاعة العظيمة ، لعد ذلك السيد والمولى لئيما مؤذيا ، بعيدا عن الكرم. ومعلوم : أن هذا غير لائق بكرم أكرم الأكرمين وأرحم الراحمين. فعلمنا : أن الرجحان حاصل لجانب الوعد.
العاشر : قال «يحيى بن معاذ» : «يا إلهى. ان كان توحيد ساعة ، يهدم كفر خمسين سنة. كيف (٧) لا يهدم معصية ساعة. إلهى. لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات ، كان مقتضى العدل (٨) أن الايمان لا يضر معه شيء من المعاصى. والا فالكفر أعظم من الايمان ، فان لم يكن كذلك ، فلا أقل من رجاء العفو» وهذا كلام حسن.
الحادى عشر : انا سنبين ان شاء الله تعالى أن قوله تعالى : (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) (النساء ١١٦) لا يمكن حمله على الصغيرة ولا على الكبيرة بعد التوبة. فلو لم نحمله على الكبيرة قبل التوبة ، لزم تعطيل الآية. أما لو خصصنا عمومات آية (٩) الوعيد
__________________
(٧) فتوحيد خمسين سنة كيف الخ : ب
(٨) العقل : ا
(٩) عمومات الوعيد : ا
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
