فانه يجد الله معذبا معاقبا) بل قال (فَإِنَّما يَكْسِبُهُ عَلى نَفْسِهِ). فدلت هذه الآيات : على أن جانب الحسنة راجح عند الله. ونظيره قوله تعالى : (إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ ، وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَها) (الإسراء ٧) ولم يقل : وان أسأتم أسأتم لها. فكأنه تعالى بالغ فى اظهار أفعاله الحسنة ، حيث ذكرها مرتين ، وستر عليه اساءته ، حيث لم يذكرها الا مرة واحدة. وكل ذلك يدل على أن جانب الحسنات راجح.
السادس : انا سنبين ان شاء الله تعالى أن قوله : (وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ) (النساء ١١٦) لا يدل الا على العفو عن صاحب الكبيرة. ثم انه تعالى أعاد هذه الآية فى السورة الواحدة مرتين ، والاعادة لا تحسن الا للتأكيد ، ولم يذكر شيئا من آيات الوعيد على وجه الاعادة بلفظ واحد ، لا فى سورة واحدة ، ولا فى سور كثيرة ، فدل على أن عناية الله فى الوعد أتم من مبالغته فى جانب الوعيد.
السابع : ان عمومات الوعيد والوعد لما تعارضت ، فلا بد من تأويل أحد الجانبين. وصرف التأويل الى جانب الوعيد أحسن من صرفه الى جانب الوعد. وذلك لأن العفو عن الوعيد مستحسن فى العرف. أما اهمال الوعد فانه مستقبح ، فكان صرف التأويل الى جانب الوعيد أولى من صرفه الى جانب الوعد.
الثامن : ان القرآن مملوء من كونه غافرا وغفورا ، وأن له الغفران والمغفرة. وأنه رحيم كريم ، وله العفو والاحسان والفضل والأفضال والأخبار الدالة على هذه المعانى قد بلغت مبلغا عظيما فى الكثرة والقوة. وليس فى القرآن ما يدل على أنه بعيد عن الصفح والتجاوز والكرم. وكل ذلك يفيد رجحان جانب الوعد على جانب الوعيد.
ألا ترى الى قوله تعالى : (غافِرِ الذَّنْبِ وَقابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقابِ ذِي الطَّوْلِ) (غافر ٣) فقوله (غافِرِ الذَّنْبِ) ان كان المراد منه أنه يغفر مع التوبة ، صار هذا عين قوله (قابِلِ التَّوْبِ) فيحصل التكرار. ثم انه تعالى لما ذكر عقيب هذين الوصفين ما يدل على الوعيد ، وهو
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
