البشر : (فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ) (القمر ٥٥) وقال عليهالسلام حكاية عن الله تعالى : «أنا عند المنكسرة قلوبهم» وهذا أفضل لأنه قال فى صفة الملائكة : انهم عند ربهم. وقال فى صفة المنكسرة قلوبهم : ان ربهم عندهم.
الحجة الثالثة : لمن قال بتفضيل الملك على البشر : عبادات الملائكة أشق ، فيكون الملك أفضل. انما قلنا : انها أشق لوجوه :
الأول : انهم آمنون من الآفات التى يكون البشر خائفا منها. مثل الغرق والحرق والقتل والمرض والحاجة والشقاوة والكفر والمعصية. وأيضا : فالسماوات التى هى مساكنهم وأماكنهم ، كالجنان والبساتين الطيبة ، بالنسبة الى الأرض.
وكل من كان تنعمه أكثر وخوفه أقل ، كان تمرده أشد. ولهذا قال تعالى : (فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ ، دَعَوُا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ ، إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ) (العنكبوت ٦٥).
ثم ان الملائكة مع كثرة أسباب التنعم والتمرد ، منذ خلقوا ، بقوا مشتغلين بالعبادة خاشعين وجلين مشفقين لا يلتفتون الى نعيم الجنان واللذات ، بل بقوا مقبلين على الطاعات الشاقة موصوفين بالفزع الشديد ، وكأنه لا يقدر أحد من بنى آدم أن يبقى كذلك يوما واحدا ، فضلا عن تلك الأعصار المتطاولة. ويؤكده : قصة آدم عليهالسلام فانه أطلق له فى جميع مواضع الجنة بقوله تعالى : (وَكُلا مِنْها رَغَداً ، حَيْثُ شِئْتُما) (البقرة ٣٥) ومنعه من شجرة واحدة ، فلم يملك نفسه ، حتى وقع فى الشر. وهذا يدل على أن طاعتهم أشق من طاعة البشر.
الوجه الثانى : فى بيان أن طاعتهم أشق : أن انتقال المكلفين من نوع عبادة الى نوع آخر ، كالانتقال من بستان الى بستان. أما الاقامة على نوع واحد ، فانها تورث الملالة. ولهذا السبب جعلت التصانيف
![الأربعين في أصول الدين [ ج ٢ ] الأربعين في أصول الدين](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3315_alarbain-02%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
