قوله عزوجل :
(إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥) يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلى ما فَعَلْتُمْ نادِمِينَ (٦) وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلكِنَّ اللهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيانَ أُولئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ (٧) فَضْلاً مِنَ اللهِ وَنِعْمَةً وَاللهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ) (٨)
قوله تعالى : (إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ) إلى قوله (رَحِيمٌ) نزلت في وفد بني تميم حيث كان الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وغيرهم ، وذلك أنهم وفدوا على رسول اللهصلىاللهعليهوسلم فدخلوا المسجد ودنوا من حجر أزواج النبي صلىاللهعليهوسلم وهي تسعة ، فجعلوا ولم ينتظروا ، فنادوا بجملتهم: يا محمد اخرج إلينا يا محمد اخرج إلينا فكان في فعلهم ذلك جفاء وبداوة وقلة توقير ، فتربص رسول الله صلىاللهعليهوسلم ثم خرج إليهم ، فقال له الأقرع بن حابس : يا محمد إن مدحي زين وذمي شين ، فقال له رسول الله صلىاللهعليهوسلم : «ويلك ، ذلك الله تعالى» واجتمع الناس في المسجد ، فقام خطيبهم وفخر ، فأمر رسول الله صلىاللهعليهوسلم ثابت بن قيس بن شماس فخطب وذكر الله والإسلام ، فأربى على خطيبهم ، ثم قام شاعرهم فأنشد مفتخرا ، فقام حسان بن ثابت ففخر بالله وبالرسول وبالبسالة ، فكان أشعر من شاعرهم ، فقال بعضهم لبعض : والله إن هذا الرجل لمؤتى له ، لخطيبه أخطب من خطيبنا ، ولشاعره أشعر من شاعرنا ، ثم نزلت فيهم هذه الآية.
هذا تلخيص ما تظاهرت به الروايات في هذه الآية ، وقد رواه موسى بن عقبة عن أبي سلمة عن الأقرع بن حابس ، وفي مصحف ابن مسعود : «أكثرهم بنو تميم لا يعقلون» ، و : (الْحُجُراتِ) : جمع حجرة.
وقرأ جمهور القراء : «الحجرات» بضم الحاء والجيم ، وقرأ أبو جعفر القاري وحده : «الحجرات» بضم الحاء وفتح الجيم.
وقوله تعالى : (لَكانَ خَيْراً لَهُمْ) يعني في الثواب عند الله وفي انبساط نفس النبي صلىاللهعليهوسلم وقضائه لحوائجهم ووده لهم ، وذلك كله خير ، لا محالة أن بعضه انزوى بسبب جفائهم.
وقوله تعالى : (وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ترجية لهم وإعلام بقبوله توبة التائب وغفرانه ورحمته لمن أناب ورجع.
وقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ) سببها أن النبي صلىاللهعليهوسلم بعث الوليد بن عقبة بن أبي معيط إلى بني المصطلق مصدقا ، فروي أنه كان معاديا لهم فأراد إذايتهم ، فرجع من
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
