الأمراء ، وعموم اللفظ أحسن ، أي اجعلوه مبدأ في الأقوال والأفعال. و : (سَمِيعٌ) معناه : لأقوالكم. (عَلِيمٌ) معناه : بأفعالكم ومقتضى أقوالكم.
وقوله تعالى : (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا) الآية هي أيضا في ذلك الفن المتقدم ، وروى حيح أنها نزلت بسبب عادة الأعراب من الجفاء وعلو الصوت والعنجهية ، وكان ثابت بن قيس بن شماس رضي الله عنه في صوته جهارة ، فلما نزلت هذه الآية اهتم وخاف على نفسه وجلس في بيته لم يخرج ، وهو كئيب حزين حتى عرف رسول الله صلىاللهعليهوسلم خبره فبعث فيه فأنسه وقال له : «امش في الأرض بسطا فإنك من أهل الجنة». وقال له مرة : «أما ترضى أن تعيش حميدا وتموت شهيدا» ، فعاش كذلك ، ثم قتل باليمامة يوم مسيلمة. وفي قراءة ابن مسعود : «لا ترفعوا بأصواتكم» بزيادة الباء.
وقوله : (كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ) أي كحال جهركم في جفائه وكونه مخاطبة بالأسماء والألقاب ، وكانوا يدعون النبي صلىاللهعليهوسلم. با محمد يا محمد ، قاله ابن عباس وغيره ، فأمرهم الله بتوقيره ، وأن يدعوه بالرسالة والنبوءة والكلام اللين ، فتلك حالة الموقر ، وكره العلماء رفع الصوت عند قبر النبي صلىاللهعليهوسلم. وبحضرة العالم وفي المساجد ، وفي هذه كلها آثار.
وقوله تعالى : (أَنْ تَحْبَطَ) مفعول من أجله ، أي مخافة (أَنْ تَحْبَطَ) ، والحبط : إفساد العمل بعد تقرره ، يقال حبط بكسر الباء وأحبطه الله ، وهذا الحبط إن كانت الآية معرضة بمن يفعل ذلك استخفافا واستحقارا وجرأة فذلك كفر. والحبط معه على حقيقته ، وإن كان التعريض للمؤمن الفاضل الذي يفعل ذلك غفلة وجريا على طبعه ، فإنما يحبط عمله البر في توقير النبي صلىاللهعليهوسلم وغض الصوت عنده أن لو فعل ذلك ، فكأنه قال : أن تحبط الأعمال التي هي معدة أن تعملوها فتؤجروا عليها. ويحتمل أن يكون المعنى : أن تأثموا ويكون ذلك سببا إلى الوحشة في نفوسكم ، فلا تزال معتقداتكم تتجرد القهقرى حتى يؤول ذلك إلى الكفر فتحبط الأعمال حقيقة. وظاهر الآية أنها مخاطبة لفضلاء المؤمنين الذين لا يفعلون ذلك احتقارا ، وذلك أنه لا يقال لمنافق يعمل ذلك جرأة وأنت لا تشعر ، لأنه ليس له عمل يعتقده هو عملا. وفي قراءة عبد الله بن مسعود : «فتحبط أعمالكم».
ثم مدح الصنف المخالف لمن تقدم ذكره ، وهم (الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ) عند النبي صلىاللهعليهوسلم. وغض الصوت : خفضه وكسره ، وكذلك البصر ، ومنه قول جرير : [الوافر]
فغض الطرف إنك من نمير وروي أن أبا بكر وعمر كانا بعد ذلك لا يكلمان رسول الله صلىاللهعليهوسلم إلا كأخي السرار ، وأن النبي صلىاللهعليهوسلم كان يحتاج مع عمر بعد ذلك إلى استعادة اللفظ ، لأنه كان لا يسمعه من إخفائه إياه. و : (امْتَحَنَ اللهُ) معناه اختبر وظهر كما يمتحن الذهب بالنار فيسرها وهيأها للتقوى. وقال عمر بن الخطاب : امتحن للتقوى أذهب عنها الشهوات.
قال القاضي أبو محمد : من غلب شهوته وغضبه ، فذلك الذي (امْتَحَنَ اللهُ) قلبه للتقوى ، وبذلك تكون الاستقامة.
![المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز [ ج ٥ ] المحرّر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3302_almuharrar-alwajiz-05%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
