فحملت ميمنة سليمان على ميسرة الحصين ، وميسرته على ميمنته ، وحمل سليمان في القلب على جماعتهم ، فانهزم أهل الشام إلى معسكرهم ، وظفر بهم أصحاب سليمان ، وما زال الظفر لأصحاب سليمان إلى أن حجز بينهم الليل ..
فلمّا كان الغد وصل إلى الحصين جيش مع ابن ذي الكلاع عدده ثمانية آلاف كان أمدّهم به عبيد الله بن زياد ، فصاروا عشرين ألفاً ، وخرج أصحاب سليمان عند الصباح ، فقاتلوهم قتالاً لم يكن أشـدّ منه ولم ير الشيب والمرد مثله جميع النهار ، ولم يحجز بينهم إلاّ الصلاة ، فلمّا أمسوا تحاجزوا وقد كثرت الجراح في الفريقين.
وكان في أصحاب سليمان ثلاثة من القصّاص ، وهم الّذين يحفظون القصص والأخبار ، منهم : رفاعة بن شـدّاد وأبو جويريّة العبدي ، فجعلوا يطوفون على أصحاب سليمان يحرّضونهم ، وكان جويريّة يدور فيهم ويقول : أبشروا ـ عباد الله ـ بكرامة الله ورضوانه ، فحقّ والله لمن ليس بينه وبين لقاء الأحبّة ودخول الجنّة إلاّ فراق هذه النفس الأمّارة بالسوء أن يكون بفراقها سخيّاً ، وبلقاء ربّه مسروراً.
فلمّا أصبح أهل الشام أتاهم أدهم بن محرز الباهلي في نحو من عشرة آلاف أمدّهم بهم ابن زياد ، فصاروا ثلاثين ألفاً فاقتتلوا اليوم الثالث ـ وهو يوم الجمعة ـ قتالاً شديداً إلى وقت الضحى.
ثمّ إنّ أهل الشام تكاثروا عليهم وأحاطوا بهم من كلّ جانب ، فلمّا رأى سليمان ـ رحمه الله ـ ذلك نزل ونادى : يا عباد الله! من أراد البكور إلى ربّه ، والتوبة من ذنبه ، فإليّ ، ثمّ كسر جفن سيفه ، ونزل معه ناس كثير ، وكسروا جفون سيوفهم ومشوا معه ، فقاتلوا حتّى قتلوا من أهل الشام مقتلة
![تراثنا ـ العددان [ ٦٦ و ٦٧ ] [ ج ٦٦ ] تراثنا ـ العددان [ 66 و 67 ]](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3298_turathona-66-67%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)