وقد انشغل الباقلانى بالجانب الفلسفى من قضية الاعجاز فشرح رأى الأشاعرة فى القضايا المختلفة وبخاصة تلك التى يخالف الأشاعرة فيها أساتذتهم المعتزلة ـ حين قالوا بخلق القرآن وبأن الله تعالى لا يرى يوم القيامة وبأن الإنسان خالق لأفعاله مسئول عنها مسئولية كاملة وأن العقل هو المسيطر على تحرك الكائنات وبه يحاسبون وعليه يكافئون.
وفى الفصل الثانى من الباب الثانى تكلمت عن الجرجانى ـ وإذا كان الجرجانى لم يسترسل فى الجانب الفلسفى استرسال الباقلانى فانه قد أفرغ جهدا جيدا فى الجانب البلاغى من القضية وكان ذلك فى كتابه دلائل الإعجاز خاصة ويكمله كتابه أسرار البلاغة.
ويرى الجرجانى أن إعجاز القرآن يرجع إلى نظمه وذلك النظم عبارة عن توخى معانى النحو ـ وحين يقرر عبد القاهر نظريته فى النظم نراه يعتمد على جانبين كبيرين هما الجانب العقلى ـ أى اثبات إعجاز نظم القرآن عقليا ثم الجانب النفسى أى مخاطبة نفسية القارئ واحساساته ونزوعه الى تلمس الجمال فيصحبه الجرجانى عن طريق العقل والنفس الى كشف اعجاز القرآن. وقد أشرنا أن لنظريته بذورا سلفية ، فهى ليست من مبتكرات الجرجانى بل أكثر من ذلك أنه قد استفاد فيها مما ظهر فى الدرس المعتزلى من رأى المدرسة الجبائية الذى قررته على يد أبى على وصاغته على أبى هاشم ونقحته على يد القاضى عبد الجبار.
ولكن هذا لا ينفى ، أن للجرجانى أثرا وامتيازا فى معالجة إعجاز القرآن ، وفضلا على البلاغة العربية لا ينكرهما باحث جاد.
وفى الباب الثالث ، الذى انقسم الى ثلاثة فصول وهو بعنوان بين المعتزلة والأشاعرة تكلمت فى الفصل الأول منه عن الزمخشرى الذى جمع بين المدرستين (معتزلة وأشعرية) ثم انتقلت فى الفصل الثانى إلى الحديث عن ثلاث شخصيات وهم ابن حزم الظاهرى والرازى الأشعرى والسكاكى المعتزلى ، وكان لا مفر من التعرض لهم لما قدموه لقضية الإعجاز ـ برغم أنهم لم يقدموا الجديد ذا البال ـ بعد ما أمتعنا الجرجانى وسابقوه وأطربنا الزمخشرى العظيم بما أضفى من جديد وما قدم من جهد فى الإعجاز.
