ومهما يكن من شىء فإن قضية خلق القرآن ، وما نتج عنها من مشكلات ونتاج فى الفكر الإسلامى والأدب العربى ، قد جنح لها فلسفيا أبو منصور الماتريدى حينما عالج القضية من وحى أفكار المدرستين معتزلة وأشعرية ، ففرق بين نوعين من الكلام «أحدهما نفسى ، وهو المعنى القديم القائم بذاته تعالى ، وهو ليس من جنس كلام البشر ، أى ليس من جنس الحروف والأصوات ومن ثم فهو صفة ذاتية له ، والله متّصف بالكلام منذ الأزل على هذا الاعتبار ، أما النوع الآخر فهو المؤلف من حروف وأصوات ، وهذا لا شك فى أنه حادث ومخلوق» ثم فسر لما ذا نفى المعتزلة صفة الكلام مع أنها قديمة ، فقال : وأنّهم خرجوا على مبدئهم المشهور ، فقاسوا عالم الغيب على عالم الشهادة ، ولو التزموا هذا المبدأ لعلموا أن «من أحبّ تقدير كلام الله بكلام المخلوق فهو مغفّل» على حد تعبيره ، فالكلام النفسى صفة قديمة لا يعلم حقيقتها ، ولا كيف يتصف الله بها. ونحن لا نستطيع سماع كلامه أو قراءته إلا بواسطة ، فموسى لم يسمع كلام الله الأزلى حقيقة ، وإنما سمع صوتا يدل عليه» (١) ويقول الماتريدى «إن المعتزلة نظروا إلى ناحية اللفظ ، واعتبر الأشعرية ناحية المعنى ، ولم يكن هناك ما يوجب هذا الخلاف كله لأن المشكلة أقرب أن تكون لفظية من أن تكون حقيقية وجوهرية (٢).
وكان هذا الحل هو الذى ارتضاه أهل السنة الذين يفرقون بين صفة الكلام النفسى القديم ولفظ القرآن المخلوق هو الحل الذى يسلّم به متأخرو الأشعرية كإمام الحرمين ، وقد انتهت مشكلة خلق القرآن بكل شرورها ، وما اكتنفها من سوء فهم ، عند ما سلّم الغزالى بهذا الرأى (٣).
ثالثا : منزلة العقل عند المعتزلة والأشاعرة :
أن للعقل عند المعتزلة مكانة سامية ، يقول الزمخشرى «امش فى دينك تحت
__________________
(١) الماتريدى ـ شرح الفقه الأكبر ـ ٧٠ ط حيدرآباد.
(٢) نفس المصدر ـ ٧١.
(٣) الدكتور محمود قاسم ـ مقدمة فى نقد مدارس الكلام ٦٩. على تحقيق كتاب مناهج الأدلة لابن رشد.
