راية السلطان ، ولا تقنع بالرواية عن فلان وفلان ، فما الأسد المحتجب فى عرينه أعز من الرجل المحتج على قرينه ، وما العنز الجرباء تحت الشّمال (١) البليل ، أذل من المقلد عند صاحب الدليل» (٢).
وأما القضايا التى شغلتهم دفاعا عن الدين الحنيف أمام المشبهة والملحدين وأصحاب الأهواء ، نادوا بمبادئهم الخمسة المعروفة ، وأثبتوا أن القرآن لا تناقض فيه ولا اختلاف وذلك عن طريق العقل ، الذى أباح لهم بتمكنهم فى اللغة أن يفتحوا بابا واسعا من المجاز اللغوى يتسع لكل ما نادوا به من نظريات وما دافعوا عنه من قضايا. ولم يرتض الأشاعرة هذا المنهج وهاجموه.
يقول القاضى عبد الجبار «وإذا وجب تقدم ما ذكرناه من المعرفة ، ليصح أن يعرف أن كلامه تعالى حق ودلالة ، فلا بد من أن يعرض ما فى كتاب الله من الآيات الواردة فى العدل والتوحيد ، على ما تقدم له من العلم ، فما وافقه حمله على ظاهره ، وما خالف الظاهر حمله على المجاز ، وإلا كان الفرع ناقضا للأصل ، ولا يمكن فى كون كلامه تعالى دلالة سوى هذه الطريقة ، فإذا ثبت ما قدمناه ، لم يمكنكم ادعاء الاختلاف والمناقضة فيه ، لأن محكمه ومتشابهه سواء فى أنهما لا يدلان ، وفى أن الواجب على المكلّف عرضها على دليل العقول» (٣). وقد سبقه الجاحظ الى تقرير هذه الحقيقة (٤).
إذن اهتم المعتزلة بالعقل أيما اهتمام ، ولكن ليس معنى هذا أنه يطغى على السمع فالقرآن هو المقدم على العقل ، وهو الأصل ـ لا كما يتبادر إلى ذهن بعض الباحثين. وقد أوضح القاضى عبد الجبار ذلك فى كتابه (فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة) فقد رتب فى الفصل الأول منه الأدلة وأوضح رأيه فى أن دلالة العقل لا يطعن فى جعل الكتاب هو الأصل فقال فى بيان هذه الأدلة (أولها دلالة العقل ، لأن به يميز بين الحسن والقبيح ، ولأن به يعرف أن الكتاب حجة ،
__________________
(١) الشمأل : ريح الشمال.
(٢) الزمخشرى ـ أطواق الذهب فى المواعظ والخطب ـ ٤٦.
(٣) القاضى عبد الجبار ـ إعجاز القرآن ـ ٣٩٥.
(٤) الجاحظ ـ الحيوان ـ ١ / ٧٠ الساسى ١٩٠٧.
