ولا المتلو فى المصاحف ، يقول «لا يجوز أن يقال أن شيئا من القرآن مخلوق لأن القرآن بكماله غير مخلوق» (١) وهو يريد بذلك لفظ القرآن ومعناه.
ومن هنا دار الجدل بين الكلام القديم والكلام المحدث المخلوق ، بين المعتزلة والأشاعرة ، وتطرق بهم الجدل إلى نظرية إعجاز القرآن ، وكان جدلهم يدور حول إعجاز المتلو لا إعجاز القائم بالذات الالهية (٢) ثم راح المعتزلة ينظرون إلى القرآن ، نصا دينيا مخلوقا ، فظهر بينهم رأى الصرفة ، وظهرت قضية تفضيل اللفظ على المعنى. ولكن الأشاعرة قد رفضوا رأى الصرفة وبهرجوه ، وجنحوا ، على يد الجرجانى ، إلى تفضيل المعنى ، ويقصد به ذلك المعنى القائم بالنفس.
وقد رد ابن سنان الخفاجى المعتزلى ، على عبد القاهر ، قائلا «فأما من ذهب إلى أن الكلام معنى فى النفس من المجبّرة ، فإنّ الذى حملهم على هذا المذهب الواضح الفساد ، ظهور أدلة نظّار المسلمين على حدوث هذا الكلام المعقول ، وتقديم بعض حروفه على بعض ، فلم يتمكنوا من الاعتراف بأنه من جنس الأصوات المتقطعة مع القول بأن كلام الله عز اسمه قديم فادّعوا لذلك أن الكلام غير هذا الصوت المسموع ، وأنه معنى قائم بالنفس ليسوّغ لهم قدمه على بعض الوجوه» (٣).
ولا نقول مع الدكتور درويش الجندى ، إن نظرية النظم عند الجرجانى قامت على أساس دينى وأن هذا الأساس الدينى هو الحافز لعبد القاهر على أن يكتب ما كتب من هذه البحوث البلاغية (٤). ولكن نقول أن جانب المعنى القائم بالنفس نظرية أشعرية كان لها نصيب كبير فى نظرية النظم عند الجرجانى ـ بجانب بحوثه فى الجمال والتذوق ، وصلة المنطق باللغة والنحو.
__________________
(١) الأشعرى ـ الإبانة ـ ٣١.
(٢) ذهب ابن حزم الأندلسى ، الى أنه روى عن الأشعرى «ان المعجز الذى تحدى الناس بالمجىء بمثله هو الذى لم يزل مع الله تعالى ولم تفارقه قط ولا نزل الينا ولا سمعناه» ثم يرد عليه قوله هذا قائلا : «وله قول آخر كقول جميع المسلمين ان هذا المتلو هو المعجز» ابن حزم ـ الفصل ـ ٣ / ١٥ و ١٦.
(٣) ابن سنان الخفاجى ـ سر الفصاحة ـ ٨١.
(٤) الدكتور درويش الجندى ـ نظرية عبد القاهر فى النظم ـ ٨ و ٩.
