وإذا تركنا الجاحظ إلى الرمانى (ت ٣٨٦) ، فسنجد أنه يرى ، أن البلاغة لا النظم سر من أسرار إعجاز القرآن.
وقد كانت هناك جهود بذلت فى الميدان بعد الجاحظ مباشرة حتى وصلت إلى الرمانى ، وجدت مباحث ابن قتيبة (ت ٢٧٦) والمبرد (ت ٢٨٥) وثعلب (ت ٢٩١) وابن المعتز (٢٩٤) وقدامة بن جعفر (٣٣٧) وهم ليسوا معتزلة ولكنهم اشتركوا فى القول.
فتمهد الطريق للرمانى ليمسك بأعنّته ، ويضع الصياغات النهائية لبعض فنون البلاغة ، ويؤنس طريق البلاغيين من بعده فيسيرون على الهدى (١).
قلنا أن الرمانى قد رفض فكرة النظم وعرض فكرة البلاغة سرا من أسرار الإعجاز يقول فى رسالته (النكت) فأما البلاغة فعلى ثلاث طبقات ، منها ما هو أعلى طبقة وما هو أدنى طبقة ومنها ما هو فى الوسائط بين أعلى طبقة وأدنى طبقة ، فما كان فى أعلاها فهو معجز وهو بلاغة القرآن ، وما كان دون ذلك فهو ممكن كبلاغة البلغاء من الناس ، وليست البلاغة إفهام المعنى لأنه قد يفهم المعنى متكلمان أحدهما بليغ والآخر عيى ، ولا البلاغة أيضا بتحقيق اللفظ على المعنى ، لأنه قد يحقق اللفظ على المعنى ، وهو غث مستكره ونافر متكلف ، وإنما البلاغة ، إيصال المعنى إلى القلب فى حسن صورة من اللفظ (٢) فأعلاها طبقة فى الحسن بلاغة القرآن وأعلى طبقات البلاغة للقرآن خاصة ، وأعلى طبقات البلاغة معجز للعرب ، كإعجاز الشعر المفهم للعرب خاصة كما أن ذلك معجز للكافة (٣).
ثم هو يفصل هذا التعريف ، فيتناول الأمر من جهتيه. أولهما : الأثر النفسى
__________________
(١) انظر فى مدى استفادة البلاغيين من الرمانى ـ ابن رشيق العمدة ١ / ١٩٥ وغيرها ـ ابن سنان الخفاجى ـ سر الفصاحة ١٩٩ وغيرها. وأبا الهلال العسكرى ـ الصناعتين ١٦٩ وغيرها والفخر الرازى ـ نهاية الايجاز ـ ٨١ و ٨٢ وابن أبى الأصبع ـ بديع القرآن ـ ١٧ و ١٨ و ٢٣ وابن حمزة العلوى ـ الطراز ـ ١ / ١٩٩ و ٢٠٠ ـ وابن الأثير المثل السائر ـ ٢٧١ وما بعدها.
(٢) يقول الدكتور محمد زغلول سلام تعليقا على هذا التعبير : أنّه طريف تلمس فيه روحا جديدة فى فهم منزلة البلاغة ودورها فى التعبير ـ انظر أثر القرآن فى تطور النقد الأدبى ٦٩ و ٧٠.
(٣) الرمانى ـ النكت ـ ٦٩ و ٧٠.
