فجزالة اللفظ شاغله ، وفخامته وسلاسته همه ، فنراه يحمل على غرابة الألفاظ وعلى من يتشبهون بالبدو الجفاة فى استخدام الآبد (١) الوحشى من الألفاظ ، فإنهم إن كانوا إنما رووا هذا الكلام لأنه يدل على فصاحة ، فقد باعده الله من صفة البلاغة والفصاحة ، وإن كانوا إنما دوّنوه فى الكتب ، وتدابروه فى المجالس لأنه غريب ، فأبيات من شعر العجاج وشعر الطرماح وأشعار هذيل تأتى لهم من حسن الرصف على أكثر من ذلك (٢).
وقد أداه هذا إلى أن يقول أنّ «المعانى مطروحة فى الطريق يعرفها الأعجمى والعربى ، والبدوى والقروى ، وإنما الشأن فى إقامة الوزن وتخير اللفظ وسهولة المخرج وكثرة الماء وفى صحة وجودة السبك وإنما الشعر صياغة وضرب من التصوير» (٣) ويطلب الجاحظ إلى كل من يريد الوقوف على معانى الكتاب والسنة وقوفا دقيقا أن يفقه أسرار ودلالة ألفاظها وصيغها فقها حسنا (٤) ونتيجة هذه الدراسات عند الجاحظ أن كتابنا المنزل ، معجز وإعجازه فى نظمه (٥) ويقول أيضا «إعجازه فى نظمه وأسلوبه العجيب المباين لأساليب العرب فى الشعر والنثر» (٦).
وليس من شك فى أن كتابه المفقود الذى صنّفه فى (نظم القرآن) كان يشتمل على كثير من ملاحظاته البلاغية» (٧) ، على أنه لم يسقط المعانى جملة فقد كان يرى رأى العتابى فى أنها تحل من الألفاظ محل الروح من البدن (٨).
__________________
(١) الآبد الوحشى من الألفاظ : الغريب المستكره.
(٢) نفس المصدر ـ ١ / ٣٧٨.
(٣) الجاحظ ـ الحيوان ـ ٣ / ١٣١.
(٤) نفس المصدر ـ ١ / ١٥٣.
(٥) نفس المصدر ـ ٤ / ٩٠.
(٦) الجاحظ ـ البيان والتبيين ـ ١ / ٣٨٣.
(٧) الجاحظ ـ الحيوان ـ ٣ / ٨٦ حيث أشار إلى تأليفه لهذا الكتاب.
(٨) الجاحظ ـ رسائل الجاحظ ـ رسالة فى الجد والهزل. ويعلق الدكتور شوقى ضيف على تعريف الجاحظ «إنما الشعر صياغة وضرب من التصوير» قائلا «وتعريفه للشعر على هذا النحو يدل على أنه كان يدخل التصوير وما يطوى فيه من أخيلة فى الصياغة واللفظ ، وقد يكون فى ذلك ما يخفف من حدة الظن بأنه قدم الألفاظ من حيث هى على المعانى ، إنما كان يريد الأسلوب بمعنى أوسع من رصف الألفاظ. إذ أدخل فيه الأخيلة والتصاوير» البلاغة تاريخ وتطور ص ٢٥.
