فالعدل الإلهى (١) الذى منح حرية الإرادة للانسان ، وامكان القدرة ، ثم هيأ للعقل أن يفكر ويجرب معارضة القرآن ، حتى إذا فشل اعترف بالعجز ، قد صرف أوهام من يريدون أن يتكلفوه ، حتى لا يتعلق الناس بذبالات الممخرقين ، ويختلط الأمر.
وأغلب الظن أن القول بالصرفة عند النظام لا يخرج عن هذا الإطار ، وأذهب إلى أن الرأى الذى يتناقل الأشاعرة عنه فيه من التحريف ما فيه ـ يقول الدكتور الحاجرى عن رأى الجاحظ فى الصرفة «إنما هى ـ كما يقول فى موضع آخر ـ إلى أن لا يكون أهل الشّغب متعلق حين يحاول المعارضة محاول ، فيأتى بما يتاح له من ذلك مضطربا أو ملفقا أو مستكرها ، وليس يبعد عندنا ـ أن يكون هذا هو تأويل الصرفة عند النظام فى حقيقة الأمر ، وإنما حرّفه خصومه بعد أن فهموه على النحو الذى رأينا» (٢).
وإذا تدبرنا رأى الرمانى سنجده يدور فى نفس الدائرة ، وذلك حينما يشرح لنا كيف أن الصرفة تعتبر عنده أحد وجوه الإعجاز. يقول «وأما الصرفة فهى صرف الهمم عن المعارضة ، وعلى ذلك كان يعتمد أهل العلم فى أن القرآن معجز من جهة صرف الهمم عن المعارضة ، وذلك خارج عن العادة كخروج سائر المعجزات التى دلت على النبوة ـ وهذا عندنا أحد وجوه الإعجاز التى يظهر فيها للعقول» (٣).
فهو يذكر ذلك ، بعد أن ناقش كيف أنه معجز لترك المعارضة مع توافر دواعى العرب وشدة حاجتهم لها ، ثم إعجازه لتحدّيه الكافة ، وليس مع التحدى صرفة ، إلا أن يصرف ـ المتكلفون فيه ـ عن أن يعارضوه بالشّبه فتعظم القصة ، وتحتاج إلى محاكمة ويقع الزلل.
__________________
(١) العدل الإلهى : المسلمون جميعا يعتقدون بعدل الله ، ولكن المعتزلة تعمقوا فى فهمه ، وأناروا حوله مسائل ، أولاها : أن يسير بالخلق إلى غاية. وأنه سبحانه يريد خير ما يكون لخلقه ... فعاقبة الدنيا هى الخير ، وهذا ما أراده الله ، وأما الشر فى الآخرة فمن نتائج؟؟؟ الكفار.
(٢) الدكتور طه الحاجرى ـ الجاحظ ـ ٣٢٣.
(٣) الرمانى ـ النكت فى الاعجاز ـ ١٠٣.
