ومهما أحكمنا إغلاق دائرة الاعتزال على مبدأ الصرفة وجعلناه نبعا من صميم عقائدهم ، فلا مشاحة فى أنه مزود بقدر يجعله إلى الجبر أقرب. فالطامعون مصرفون كرها عن أن يعبثوا بمقدسات المسلمين ولكنهم أرادوا ـ أن يحاولوا ـ وهذا مسيلمة قد حاول وغيره قد حاول ، فلما ذا لم تستمر هذه المحاولات وتنضج فتقدم شيئا؟ إلى هنا. نجيب بأنهم أرادوا فصرف الله أوهامهم.
ولكن القاضى عبد الجبار يعطى للقضية عمقا أعمق ، وفهما أنضج ، ويفتح لها بابا يتصل بقدرة الانسان وبارادته ثم بعقله وبمنطقه يقول «إنا نقول ـ أن دواعيهم انصرفت عن المعارضة ، لعلمهم بأنها غير ممكنة ، على ما دللنا عليه ، ولو لا علمهم بذلك لم تكن لتنصرف دواعيهم ، لأنا نجعل انصراف دواعيهم تابعا لمعرفتهم بأنها متعذرة» (١). ثم يقول «واعلم ... أن أحدّ ما يتبين به عظم شأن القرآن فى الأعجاز : أنه لا وجه يطعن به الملحدة ، وسائر من خالف فى نبوة (محمد) صلىاللهعليهوسلم ، إلا وهو غير قادح فى كونه معجزا ، بل يكشف عن وجه من وجوه الإعجاز ، لو صحت مطاعنهم ـ ويتميز بذلك من سائر المعجزات لأن وجوه القدح فيها لا تتضمن ـ أن صحت ـ كونه معجزا» (٢).
وبهذا الرأى الذى أولاه القاضى اهتماما ـ تحولت الأنظار عن الصّرفة وعن المناقشات فى تفريعها وتشقيقها ، وانغلق باب القول فيها ، وذلك بأن المعارض حتى وإن موّه على نفسه وجرب حظه فى الطعن فلن يفلح فى طمس دعوى الأعجاز وفشله ثابت باستدلال العقل وتجارب الأولين.
ثانيا : النظم والفصاحة عند المعتزلة :
سئل الرمانى : لكل كتاب ترجمة فما ترجمة كتاب الله عزوجل فقال : (هذا بَلاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ) (٣) [إبراهيم ـ ٥٢].
والمعتزلة حين ناقشوا الجانب البلاغى فى القرآن ، وجدنا الفراء ينادى بأن
__________________
(١) القاضى عبد الجبار ـ إعجاز القرآن ـ ٣٢٤.
(٢) نفس المصدر ـ ٣٣٦.
(٣) الحموى ـ معجم الأدباء ـ ١٤ / ٧٦.
