تكن لتنصرف دواعيهم ، لأنا نجعل انصراف دواعيهم تابعا لمعرفتهم بأنها متعذرة» (١).
ونشير إلى ذلك ، لأن حقيقة المعجز عند الباقلانى ـ تؤدى إلى الصرفة ـ بالرغم من ظهور التخفيف منها الذى يصبغ شرحه لرأيه ، والفرق بين القاضى والباقلانى ـ أن القاضى فتح باب التجربة الانسانية أمام إعجاز القرآن ـ فأدت النتيجة إلى انصراف ـ بينما جعل الباقلانى الباب موصدا من البدء أمام المحاولة. فعنده أن الله تعالى قد وفق العرب إلى قدر من البلاغة ، ولكنه أقدرهم على حد محدود ، وغاية فى العرف مضروبة لعلمه بأنه سيجعل القرآن معجزا (٢).
وقد أنكر الباقلانى ، القول بالصرفة ، ولكنه استدار إليها وعرضها فى ثوب آخر ، والنتيجة واحدة ، فيما يظهر لى.
وعن قدر المعجز من القرآن عند الباقلانى يقول : الذى ذهب إليه عامة أصحابنا ، وهو قول الشيخ أبى الحسن الأشعرى فى كتبه : أن أقل ما يعجز عنه من القرآن السورة. قصيرة كانت أو طويلة. وما كان بقدرها (٣).
والقرآن غير مخلوق ومعجز يقول الباقلانى : قال قيل : فهل تزعمون أنه معجز ، لأنه حكاية لكلام القديم سبحانه أو لأنه عبارة عنه «ولأنه قديم فى نفسه؟ قيل : لسنا نقول بأن الحروف قديمة ، فكيف يصح التركيب على الفاسد؟ ولا نقول أيضا : أن وجه الإعجاز فى نظم القرآن من أجل أنه حكاية عن كلام الله لأنه لو كان كذلك لكانت التوراة والإنجيل وغيرهما من كتب الله عزوجل معجزات فى النظم والتأليف وقد بينا أن إعجازها فى غير ذلك. وكذلك كان يجب أن تكون كل كلمة مفردة معجزة ومنفردها ، وقد ثبت خلاف ذلك» (٤) إذن «فالإعجاز فى نظم الحروف التى هى دلالات وعبارات عن كلامه (تعالى) وإلى مثل هذا النظم وقع التحدى» (٥) ويقول الباقلانى : وقد جوّز
__________________
(١) القاضى عبد الجبار ـ إعجاز القرآن ـ ٣٢٤.
(٢) الباقلانى ـ إعجاز القرآن ـ ٢٨٩.
(٣) نفس المصدر ـ ٣٥٤.
(٤) الباقلانى ـ إعجاز القرآن ـ ٤٧.
(٥) نفس المصدر ـ ٢٦١.
