بعض أصحابنا أن يتحداهم ، بمثل كلامه القديم القائم بنفسه (١). ولكنه يستدرك بأن مذهب الجمهور الأشعرى هو ما حكاه وأما الكلام القديم ، فليس هو حروف منظومة ، أو حروف غير منظومة ، أو شىء مؤلف أو غير ذلك (٢).
والمعروف أن القرآن ، كلام الله غير مخلوق عند الأشاعرة. وهم قد عرفوا كلامه تعالى بأنه (معنى واحد بسيط قائم بذاته تعالى ، قديم ... ولا نزاع بين الشيخ والمعتزلة ـ كما يقول الإيجى ـ فى حدوث الكلام اللفظى ، وإنما نزاعهم فى إثبات الكلام النفسى وعدمه) (٣).
وبعد ـ فقد كانت هذه الوقفات هى أبرز أفكار الباقلانى. والأشاعرة معه ـ حين عالج الإعجاز ، وقد تتيح لنا أن ندرك أوجه الخلاف بين الفكرين ، ولكن أعتقد أن هذا لن يتسنى لنا إلا بعد أن نستعرض جهود الباقلانى فى الجانب البلاغى ثم جهود الجرجانى بعده كلاما وبلاغة أيضا.
وقد أنفق الباقلانى جهدا فى سبيل إظهار الجانب الفنى فى القرآن ، فبعد أن تكلم عن جانب تضمن القرآن للإخبار عن الغيوب ، وأنه كان معلوما من حال النبى صلىاللهعليهوسلم ، أنه كان أميا لا يكتب ولا يحسن أن يقرأ ، أخذ يعالج الوجه الثالث من وجوم الإعجاز وهو أنه بديع النظم عجيب التأليف ، متناه فى البلاغة إلى الحد الذى يعلم عجز الخلق عنه.
وبديع النظم المتضمن لإعجازه ، ينقسم عند الباقلانى إلى وجوه عشرة ، نذكرها كما وردت فى كتابه الاعجاز :
أولا : أن القرآن فى جملته خارج عن المعهود من نظام جميع كلام العرب ، وترتيبه يختلف عن ترتيبهم ، فليس هو شعرا على اختلاف أنواعه ، ولا موزونا غير مقفى ، ولا معدّلا مسجوعا ، ولا معدلا موزونا غير مسجوع ، ولا مرسلا إرسالا ، ولا هو من باب السجع ولا فيه شىء منه. وليس كذلك من قبيل الشعر ولا مرتبا
__________________
(١) نفس المصدر ـ ٢٦٠.
(٢) نفس المصدر ـ ٢٦١.
(٣) الشيخ محمد عبده بين الفلاسفة والمتكلمين ـ تحقيق الدكتور سليمان دنيا ـ ٢ / ٥٨٨ (شرح العقائد العضدية).
