تتحدث عن سعة المغفرة على أساس الدعوة إلى التوبة التي يعود فيها الناس إلى ربّهم ، وبذلك يكون جوّ الآية قرينة على هذا التقييد ، فلا ينافي مضمونها الشامل للذنوب جميعا ما جاء في قوله تعالى : (إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) [النساء : ٤٨] فإن الظاهر أن المراد في تلك الآية ، نفي المغفرة من دون توبة ، لأن المعروف أن التوبة تشمل الذنوب جميعا حتى الشرك ، (إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) الذي سبقت رحمته غضبه ، مما يفسح المجال لعباده أن يتطلعوا إليها في الرغبة بالغفران لذنوبهم ، بحيث لا يشعرون باليأس من خطورة ذنوبهم التي وصلوا بها إلى الحدّ الذي تجاوزوا فيه كل الحدود.
(وَأَنِيبُوا إِلى رَبِّكُمْ) وارجعوا إليه بالابتعاد عن الآلهة المزعومين الذين ارتبطتم بهم من دون الله ، سواء بالعبادة الخاضعة لهم في عمق النفس المنسحقة أمامهم ، أو بالالتزام والطاعة لكل أوامرهم أو نواهيهم ، أو لكل ما تفرضه الخطوط العامة التي تتمثل في المضمون الوثني للعقيدة ، (وَأَسْلِمُوا لَهُ) في الشعور المنفتح على آفاق عظمته ، بالتسليم المطلق الذي لا يجد معه الإنسان أيّ موقع لإرادته أمام إرادة الله ، فلا يريد الإنسان شيئا إلا حيث يريد الله ، ولا يريد ما لا يريده ... كخطّ في الالتزام والحركة ، فذلك هو الطريق إلى الخلاص الذي لا بد للإنسان من أن يبادر بالسير عليه ، (مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذابُ) الذي هو النتيجة الطبيعية للإصرار على الذنوب التي سيواجه الإنسان نتيجتها بعد الموت ، (ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ) لأن الله هو الذي يعاقب هؤلاء ، فليس هناك أحد ينصرهم أمام الله.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
