حتى كادوا أن يغرقوا فيها ، وابتعدوا عن الخط المستقيم حتى أوشكوا أن يستسلموا للضياع في متاهات الكفر والضلال ... ، قل لهم كلمة الرحمة والمغفرة والحنان التي تحتوي كل مشاعرهم وتطلّعاتهم في الحياة : (يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ) وتجاوزوا الحدود ، واستسلموا لليأس (لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللهِ) في الحياة ، لتعيشوا في إيحاء يائس بأن الوقت قد فات ، فلا مجال للعودة إلى الله ، لأن المسألة قد بلغت في التمرد والخطيئة مبلغا لا يستطيع الإنسان فيه أن يواجه الله بالتوبة ، لكن الذنب مع الله يختلف عن الذنب مع الناس ، فقد يتعقد الناس من الذنوب التي يفعلها بعضهم ضد بعض ، فيحملون في داخل نفوسهم الحقد والأذى إلى المستوى الكبير الذي لا يسمح بقبول التوبة من المذنب ، أو العفو عنه ، لأن الحالة النفسية المعقّدة قد بلغت من التعاظم حدّا كبيرا من التعقيد أحاط بالشخصية كلها ... أما الذنب أمام الله ، فلا يترك أيّ تأثير في ذاته المقدسة في مواقع التعقيد ، لأنه أعظم من ذلك ، فهو الله الّذي لا تقترب الانفعالات من عظمته ، ولا يعرف الحقد مكانا في مواقع قدسه ، بل كل ما هناك ، أنه يغضب على المذنبين بالمعنى العملي للحالة الغضبية الذي يبقى ويزول تبعا للحكمة التي يراها في ذلك ، ولهذا فإن هناك واقعية أكيدة لمسألة التجاوز عن العقوبة في حركة المغفرة للذنب ، والرحمة للشخص على أساس ما يعرفه الله من المعاني الطيبة الكامنة في نفسه ، أو على أساس ملاحظة الظروف الضاغطة في طبيعة النوازع الذاتية أو في عمق الحركة المنطلقة من لهب الغريزة الحارّة ، أو على أساس إفساح المجال للإنسان ليعيد النظر في التمرّد على سلبيّات تاريخه من أجل بداية جديدة لحركة إيمانية جديدة. وهكذا تنطلق القضية من مواقع المغفرة الواسعة والرحمة الشاملة في ما يتسع منهما للإنسان كله ، تبعا لما يعلمه الله من الحكمة في ذلك ، على مستوى قضية الشخص أو قضية الحياة.
(إِنَّ اللهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً) للتائبين من ذنوبهم ، فإن الظاهر أنّ الآية
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
