(قالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) فأنا الأعلى منه عنصرا ، (خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) والنار تفني الطين وتحرقه.
(قالَ فَاخْرُجْ مِنْها) أي من الجنة (فَإِنَّكَ رَجِيمٌ* وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلى يَوْمِ الدِّينِ) لأنك عصيتني من موقع الكبرياء التي لا أريد لعبادي أن يتصفوا بها أو يتحركوا في دائرتها ، مما يجعل اللعنة لاصقة بكل الذين يمارسونها فكرا وعملا.
(قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أعطني مهلة كافية لتنفيذ مخططي الذي أستطيع فيه أن أنفّس عن عقدتي ضد هذا المخلوق وذريته ... ، (قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ* إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ) الذي يبعث فيه الخلائق للحساب وهو يوم القيامة.
(قالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ) باستعمال كافة الوسائل التي أستطيع إغواءهم من خلالها لإبعادهم عن الجنة التي حرمت منها ، (إِلَّا عِبادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ) الذين يملكون المناعة الإيمانية التي تنقذهم من الإغراءات الكثيرة التي أحرّكها في حياتهم ، فيواجهون وسائل الإضلال بوسائل الهدى ، فيثبتون في مواقع الاهتزاز ، ويستقيمون في مواضع الانحراف ، (قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ* لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ) فهذا هو القضاء الذي لا مردّ له ، والحق الذي يفرض نفسه على الموقف كله ، في مواجهة هذا التحدي المتمرد على أوامر الله ونواهيه.
(قُلْ ما أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ) في كل هذا الجهد الذي أقوم به ، وكل هذا الوحي الذي أبلغكم إياه ، وفي كل هذه المعاناة التي أتحملها ، فلست إنسانا يتقدم إليكم من خلال طموحه الذاتي ، بل إنني إنسان أتحرك معكم من خلال مسئوليتي الرسالية التي تمثل كل استعدادي في البذل والتضحية والمعاناة بعيدا عن أي مقابل مادي ، بل هو بذل للروح في عطائها الأسمى والأقصى ، وذلك كله من خلال سرّ الانفتاح على الله تعالى ، وعمق الإخلاص له ، ووضوح
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
