عاقلة متحركة واعية ، بفعل الروح التي أودعها الله في عمق السرّ الكامن في الطين ، فدبّت في كل ذرة من كل حبة تراب حياة تنمو وتتحرك وتعطي الحياة معنى في الفكر والحركة واللقاء من جديد بالروح الإلهي على الصعيد الإيماني والعبادي.
ومن خلال ذلك المعنى الذي يمتزج فيه الروح بالتراب ليصنع إنسانا يملك قابلية الذوبان في الله بفعل العقيدة الخاشعة المنفتحة على كل عوالم الروح في الكون ، أراد للملائكة أن تسجد له لا في دائرة العبادة لهذا المخلوق ، ولكن في آفاق التحية له ، والتعظيم لروعة الإبداع في خلقه ، خشوعا لله وخضوعا وعبادة له ، (فَسَجَدَ الْمَلائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ) فلم يتخلف منهم أحد ، لأن ذاتهم مكوّنة على أساس الطاعة لله ، (إِلَّا إِبْلِيسَ) الذي لم يكن من الملائكة بل كان من الجن ، ولكنه كان قريبا من مجتمع الملائكة في المجال الروحي والعبادي ، فلم تكن هناك حواجز تمنعه من الارتفاع إلى آفاقهم والعيش معهم ، لكنه لم يكن خاضعا للتجربة المضادة ، وربما كان يختزن في داخله ملامح شخصية شيطانية تبحث عن متنفس للتحرك في دائرة مضادّة ، من قبيل اتصافه بالكبرياء والحسد والحقد المعقّد ، فكان أمر الله للملائكة ـ ومعهم إبليس ـ بالسجود لآدم هو المتنفس لهذه العقدة الداخلية ، فأبى و (اسْتَكْبَرَ) حيث اخترق شعوره العدواني كل القيم الروحية في داخله (وَكانَ مِنَ الْكافِرِينَ) في تمرّده على الله ، وجحوده لطاعته.
(قالَ يا إِبْلِيسُ ما مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِما خَلَقْتُ بِيَدَيَ) فقد أردتك أن تنحني خضوعا لعظمة الخلق الإلهي الذي تعلق به الخلق بشكل مباشر ، (أَسْتَكْبَرْتَ) فتعاظمت ذاتك في وعيك ، بحيث ارتفعت بنفسك عن قدرها فأعطيتها فوق ما تستحق ورأيت أنها أكبر من أن تخضع لأوامر الله المتعلقة بهذا المخلوق العظيم ، (أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعالِينَ) الذين يملكون هذا العلو في الدرجة بشكل طبيعيّ؟!
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
