الإنسان وتطلّعاته في الحياة ، ويصل به إلى مواقع التقدم والتطوّر في مجالات المعرفة وحركة الواقع ، وهذا هو سرّ عظمة القرآن الذي وصفه الله بالنبإ العظيم الذي جهل هؤلاء قدره الكبير حين ابتعدوا عن التأمل والتعمق في أسراره ، (أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ) من موقع الجهل الغارق في التخلف الذي لا يعي طبيعة النتائج السلبية المترتبة على ذلك.
(ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ) في ما أخبرتكم به من حديث الملائكة في بداية الخلق ، (وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) [البقرة : ٣٠] فلم أتعلم ذلك من أيّ شخص ، ولم أتوسل إليه بطريقتي الخاصة ، بل كانت المسألة وحيا من الله ، أنزله عليّ ، فليس لدي مصدر للمعرفة في هذه الأمور الغيبيّة بكل مفرداتها ، غير الوحي.
(إِنْ يُوحى إِلَيَ) بما يريد الله لي أن أعرفه وأن أعرّفكم إيّاه سواء في تحديد مصدر المعلومات لديّ ، أو في الدور الذي عهد الله به إليّ ، (إِلَّا أَنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ) لأنذركم بالنار التي تنتظركم إذا كنتم كافرين ، وهذا هو حديث الغيب الذي يطلّ في نهايته على المسؤولية التي حددها الله في بداية خلق الإنسان أثناء حديثه للملائكة ولإبليس.
(إِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ* فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ) ذلك هو الحدث الكبير الذي أخبر الله به ملائكته ، وتنبع أهميته من اتصاله بالدور الكبير الذي حدّده لهذا المخلوق ، وبالطاقات التي أودعها في عقله وإرادته وحركته وانفتاحه على الكون كله ، عدا عن أن للإنسان قدرة للانفتاح على أكثر من أفق وصعيد في الحياة. ولم يكن الله قد حدّثهم عن مخلوق آخر ، في ما يوحي به القرآن الذي ركز على هذا الحديث في الحوار البارز الذي دار بين الله وملائكته.
وقد حدّثهم الله عن عنصره الأرضيّ الطينيّ الذي يتحوّل إلى طاقة حيّة
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
