قد اجتمعوا سوية في هذا المكان النائي ، وهو النار ، ثم تتضاعف النقمة في نفوسهم ، وتثور البغضاء الحانقة في وجدانهم ، فتتحول إلى دعاء ينطلق من أعماقهم ، ليطلب من الله أن يزيد في عذاب هؤلاء الرؤساء المتبوعين لأنهم أضلوا الناس في مواقع ضلالهم ، فأضافوا إلى جريمتهم جريمة.
(قالُوا رَبَّنا مَنْ قَدَّمَ لَنا هذا) المصير الأسود المحرق المذلّ ، (فَزِدْهُ عَذاباً ضِعْفاً) أي مضاعفا (فِي النَّارِ).
وتصمت كلمات الحسرة ويمتد الحديث بينهم ، في ما نقله الله من تكملة هذا الحوار في آيات أخرى ، عند ما يرد عليهم المتبوعون بأنهم هم المسؤولون عن ضلال أنفسهم ، لأنهم كانوا يملكون الفكر الذي يميزون به بين الحق والباطل ، والإرادة التي يستطيعون أن يحركوها في اتجاه الموقف الحق.
وهنا يتساءل أهل النار ، كمجتمع موحّد في الدنيا في شعاراته وعناوينه وتحدياته ، عن المؤمنين الذين كانوا معهم هناك ، عند ما كانت الكلمات القاسية الساخرة العدوانية تنطلق من أفواههم ، لترميهم بكل تهمة الشرّ والإضلال والانحراف ، لأنهم خالفوا عقائد الآباء والأجداد ، وتمرّدوا على أصنام مجتمعهم القبلي أو الطبقي الذي كان يعبدهم من دون الله.
(وَقالُوا ما لَنا لا نَرى رِجالاً كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرارِ) من أولئك الضعفاء الذين كان الأقوياء من الكافرين المترفين يضطهدونهم في الدنيا ويعدّونهم من الطبقة المرذولة في المجتمع التي لا تحصل على الاحترام في ما يميز به المجتمع الفاسد الكافر ، الأخيار عن الأشرار ، من خلال قيمه المنحرفة ، إنهم يتساءلون كيف ابتعدوا عنا ، فلم يحشروا معنا ، وقد كانوا جزءا من مجتمعنا في الدنيا بحكم القرابة والمواطنية أو نحو ذلك.
(أَتَّخَذْناهُمْ سِخْرِيًّا) فكنا نسخر منهم ومن أفكارهم ومواقعهم ، فأين هم
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
