تتولد عن أيّة حركة مثيرة للإحساس ، ولذلك فلا مجال للحديث الفكريّ ـ الكلامي عن دلالة الفزع على الخوف الذي لا يناسب الأنبياء الذين لا يخافون إلا من الله ، لأن هناك فرقا بين الخوف الذي تسقط الإرادة معه وتتحرك في اتجاه الانحراف وبين الخوف الذي يدفع إلى الحذر الذي تمليه عملية دفاع الإنسان عن نفسه ، (قالُوا لا تَخَفْ) فلسنا من اللصوص الذين جاؤوا إليك ليعتدوا عليك أو على مالك ، كما توحي طريقتنا في الدخول ، ولكننا جئنا لأمر آخر يتصل بالخلاف الدائر بيننا ، فنحن (خَصْمانِ بَغى بَعْضُنا عَلى بَعْضٍ) فهناك جانب يدّعي على جانب آخر فيتهمه بالعدوان عليه (فَاحْكُمْ بَيْنَنا بِالْحَقِ) بعد معرفة طبيعة القضية المتنازع عليها ، من خلال المعطيات الواقعية التي تمثل العناصر الحقيقية للموضوع ، (وَلا تُشْطِطْ) أي لا تتبع سبيل الشطط ، وهو تجاوز الحد الذي هو كناية عن تجاوز الحق بالحكم الجائر ، (وَاهْدِنا إِلى سَواءِ الصِّراطِ) أي إلى الطريق السويّ المستقيم الذي لا ميل فيه ولا انحراف.
(إِنَّ هذا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ واحِدَةٌ فَقالَ أَكْفِلْنِيها وَعَزَّنِي فِي الْخِطابِ) أي أعطنيها أو اجعلها في سلطتي ، وغلبني في القول فلم يدع لي مجالا لأيّ مقال.
(قالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤالِ نَعْجَتِكَ إِلى نِعاجِهِ) فليس من العدل أن يفكر بهذه الطريقة التي تمثل الجشع الذاتي ، والأنانية الطامعة ، والاستضعاف الظالم ، إذ كيف يطلب إضافة نعجة أخيه إلى نعاجه ، ولا يتركها له ليستفيد منها في قضاء حاجاته الغذائية ، وكيف يضغط الغنيّ على الفقير ، ويفرض سلطته عليه ، ليسلبه ما عنده ... إن هذا هو الظلم بعينه.
(وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ الْخُلَطاءِ) أي الشركاء ، وقد يلاحظ أن القصة لا توحي بشراكة بينهما ، فيمكن أن يكون المراد من الكلمة المعنى الذي يقترب من ذلك ولو في الشكل ، بملاحظة المشاركة في الرعي ، أو في المكان ، أو في الانتفاع
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
