البحر ، (فَكانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ) أي المغلوبين ، وهكذا تمّ إلقاؤه في البحر (فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ) أي ذو ملامة يعيش لوم نفسه على ما فعله (فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ) الذين يبتهلون إلى الله بأسلوب التسبيح الذي يعبّر عن عظمة الله بما يمثله ذلك من عمق العبوديّة ، وروحية الابتهال ، وحسّ الخشوع ، مما يجعله موضعا لرعاية الله ورحمته ولطفه وإحسانه ، (لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي لأكله الحوت كما يأكل المخلوقات الأخرى فيصير جزءا من جسده ، فيبعث منه كما يبعث الميت من قبره ، وهو وارد على سبيل الكناية.
(* فَنَبَذْناهُ بِالْعَراءِ) وهو المكان الخالي الذي لا شجر فيه ، ولا شيء يغطيه (وَهُوَ سَقِيمٌ) عليل مما حلّ به ، (وَأَنْبَتْنا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ) وهي القرع لتظلله (وَأَرْسَلْناهُ إِلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) ربما يستوحي بعضهم من هذه الآية أن رسالته كانت متأخرة عن هذا الحدث الذي حلّ به ، لأن الحديث عن الرسالة جاء بعد الحديث عنه ، وربما كان المراد به الحديث عن موقعه في صلته الرسالية بعيدا عن التوقيت ، وهناك احتمالات أخرى (فَآمَنُوا فَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) أي إلى أجل مسمّى ، وربما يستشعر البعض من هذه الفقرة من الآية ، الإشارة إلى ما ورد في سورة يونس في قوله تعالى : (فَلَوْ لا كانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَها إِيمانُها إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنا عَنْهُمْ عَذابَ الْخِزْيِ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَمَتَّعْناهُمْ إِلى حِينٍ) [يونس : ٩٨].
وعلى ضوء ذلك استفاد «صاحب الميزان» من سياق الكلام «أن المراد من إرساله في قوله : (وَأَرْسَلْناهُ) أمره بالذهاب ثانيا إلى القوم ، وبإيمانهم في قوله : (فَآمَنُوا ...) إيمانهم بتصديقه واتباعه بعد ما آمنوا وتابوا حين رأوا العذاب» (١).
وقد نلاحظ على ذلك أنه لم يرد في كل الآيات المتعرضة لقصة يونس
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ١٧ ، ص : ١٦٦.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
