إرضاء غريزة الأبوة في داخله ، بل أراده ولدا صالحا يتحرك في طاعة الله ، ليعزز خط الصلاح في الحياة المرتكز على قاعدة الإيمان بالله ، لأن المؤمن الذي لا يبتعد عن الرغبات الطبيعية في شخصيته ، يبقى ـ دائما ـ في هاجس العلاقة بالله وبالحياة الإيمانية في كل قضاياه. واستجاب الله دعاءه فرزقه إسماعيل (فَبَشَّرْناهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ) في ما تمثله هذه الصفة الإنسانية من وداعة وهدوء طبع ، وصفاء روح وانفتاح على كل الناس ، ولكن الله كان يعدّ له مفاجأة مدهشة صعبة ، فقد أراد ابتلاءه وامتحانه في محبته له ليظهر فضله للناس ، وليكون قدوة لهم في المواقع التي يبحثون فيها عن القدوة الحسنة الرائدة في المعنى المتجسّد للإيمان.
(فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ) وأصبح يتحرك معه في غدواته ورواحة ، بعد أن بلغ من العمر سنّ الرشد الذي يستطيع معه السعي في حاجاته وحاجات الآخرين ، (قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ) وهذا ، في وعي النبوّة ، أمر إلهيّ يدفعه للقيام بهذه المهمة امتثالا لأمر الله ، لأن الرؤيا الصادقة التي يحس فيها النبي باليقين الرساليّ تمثل أسلوبا من أساليب الوحي الإلهي ، (فَانْظُرْ ما ذا تَرى) لأن المسألة خطيرة بالنسبة إليك ، وهي تدفعك لتفكر تفكيرا عميقا في الموضوع ، وأنا والدك الذي لا يحب أن يقدم على التنفيذ إلا بعد أن تأخذ قرارك فيه ، بالمقدار الذي يتعلق بك ، ليكون الموقف واحدا في امتثال أمر الله ، مع صعوبته الذاتية بالنسبة إلينا جميعا.
ولعل إبراهيم كان يعرف بأن ولده سيستجيب لنداء الله لما يعرفه من إيمانه وإسلامه له وصلاحه في خط الشريعة الحقة ، ولم ينتظر إبراهيم طويلا ، فقد أجابه ولده ، فورا ، بشكل حاسم : (قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ) فإذا كانت هذه إرادة الله ، فلتكن إرادته هي الحاكمة علينا في كل أمورنا ، لأننا لا نملك من أنفسنا إلا ما ملّكنا إياه ، فهو المالك لنا جميعا ، مما لا يجعل لنا مسألة الاختيار ، التي لو ملكناها ، لكان اختيارنا تبعا لإرادته ، و (سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
