(وَاللهُ خَلَقَكُمْ وَما تَعْمَلُونَ) فأنتم مخلوقون لله ، كما أن العناصر التي تتألف منها الأصنام المعبودة لكم ، مخلوقة له ، فكيف تنحرفون عن عبادة الله وتعبدون غيره؟
لقد قال لهم كل هذا الكلام ، بعد أن ثار الجدل بينه وبينهم ، واكتشفوا أنه الفاعل ليدافع عن موقفه ، فهو لم يضرب رؤوس الآلهة ، ليثوروا بهذه الطريقة ، بل ضرب رؤوس أحجار جامدة مصنوعة للإنسان في أشكال معينة. (قالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْياناً) وأوقدوا في داخله النار ، (فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ) لأنهم لم يستطيعوا مقارعة الحجة بالحجة ، فعمدوا إلى استعمال القوّة ضده كما يفعل العاجزون عن المواجهة الفكرية.
(فَأَرادُوا بِهِ كَيْداً) ليقتلوه ويرتاحوا من معارضته ودعوته التغييرية ، (فَجَعَلْناهُمُ الْأَسْفَلِينَ) حيث قال الله من موقع إرادته التكوينية : (يا نارُ كُونِي بَرْداً وَسَلاماً عَلى إِبْراهِيمَ) [الأنبياء : ٦٩].
وأغلقت هذه الصفحة من تاريخ إبراهيم في بداية الدعوة ، ليبدأ مرحلة جديدة ، فقد كان من الواضح أنه لا يستطيع البقاء مع قومه ليتابع دعوته إليهم بالتوحيد ، بعد الموقف العدائيّ الذي وقفوه منه. لذلك ، (وَقالَ إِنِّي ذاهِبٌ إِلى رَبِّي سَيَهْدِينِ) فقد عزم على الهجرة من بلده أور الكلدانية ـ في بابل ـ إلى بلاد الشام ، ليتفرغ إلى عبادة ربه ، وليبدأ تجربة جديدة من تجارب الدعوة في موقع جديد قد يكتشف فيه ساحة مميّزة يملك فيها حرية الحركة لما يريد قوله وفعله. وهناك تزوّج واستقر به المقام ، فطلب من الله أن يرزقه ولدا صالحا ، حيث كان يتوجه بحاجاته إلى ربّه من خلال روحية الإيمان التي تجعل الإنسان المؤمن ينفتح على الله في كل حاجاته ، من موقع أنه لا يملك أيّ شيء إلا به ومنه.
(رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) فهو لم يطلب ولدا ، أيّ ولد ، من خلال
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
