مِنَ الصَّابِرِينَ) فلن أجزع ولن أتهرّب ، بل سأقدّم نفسي للذبح من موقع المستسلم لله ، الخاضع لأمره ونهيه ، الخاشع في عبادته ، فتلك هي إرادتي ، وسأثبت عليها بمشيئة الله ، لأن كل ما أتحرك به أو أتصف به هو هبة منه في اختياره لعباده.
(فَلَمَّا أَسْلَما) وجههما وأمرهما وحياتهما لله ورضيا بقضائه ، (وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ) أي صرعة على أحد جانبي جبهته ، وهو الجبين ، (وَنادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا) فلم تكن الصورة في الرؤيا أنه يذبح ولده ، بل كانت هي أن يبدأ بالعملية بطريقة إعدادية توحي بالجدّية والانتهاء بها إلى نتيجتها الطبيعية ، كما أن الأمر الصادر من الله ليس أمرا جليّا ، بل هو أمر امتحانيّ للاختبار ولإظهار الموقف الإسلامي البارز في حركة الإيمان بالله والاستسلام له بشكل صارخ ، في ما يتمثل به موقف إبراهيم وإسماعيل في التحرك نحو الامتثال ، ولم يكن هناك مصلحة حقيقيّة في ذبح إبراهيم لإسماعيل كفعل معيّن في ذاته. و (إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ) الجزاء الأحسن في الدنيا والآخرة بعد أن نبتليهم ابتلاء شديدا ، ونمتحنهم في موقع الطاعة بالموقف الصعب فينجحون في الامتحان بفعل ما يظهرونه من موقف عظيم في الطاعة لله ، (إِنَّ هذا لَهُوَ الْبَلاءُ الْمُبِينُ) لشدة ما كان ابتلاء إبراهيم شديدا ، (وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ) ذكرت الروايات أنه كبش عظيم جاء به جبريلعليهالسلام من عند الله ، ليكون فداء عن إسماعيل ، بدلا عنه.
(وَتَرَكْنا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ* سَلامٌ عَلى إِبْراهِيمَ) كرمز لاحترام موقفه ، ليكون ذلك عبرة للآخرين في ما يريدهم الله أن يؤكدوا به موقفهم الإسلامي في طاعته ، وتحية للقدوة الرائدة المتمثلة في شخص هذا النبي العظيم الذي تقدم بكل وداعة الإيمان وصفاء الإسلام وقوّة الإخلاص لله ، ليذبح ولده الذي تجاوب معه فاستعد لتقديم نفسه قربانا ، في ما يريد الله له ولأبيه أن يجسّداه من طاعة. (كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
