من خلال ابتعادكم عن فكره ونهجه ، فالتقى طريقكم بطريقنا ، ونهجكم بنهجنا ، من دون أن تكون هناك أيّة تبعية بالمعنى الدقيق لهذه الكلمة ، بل كان هناك لقاء في الفكر والموقف.
(وَما كانَ لَنا عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطانٍ) لأننا لا نملك الضغط على أفكاركم ولو كنا نملك الضغط على أجسادكم ، لأن الجانب العقلي من شخصية الإنسان لا يقع تحت ضغط القوّة الخارجية ، لأنه ليس حالة مادية تخضع لضغط مادّي ، بل هو حالة تتحرك في المعنى ، وفي الوعي الداخلي المنفتح على الآفاق الرحبة من شخصية الإنسان في وجوده الروحي والعقلي.
(بَلْ كُنْتُمْ قَوْماً طاغِينَ) في التركيبة الداخلية لشخصيتكم ، في ما يمثله الطغيان من استكبار على الحق ، وتجاوز على الحدود المرسومة من قبل الله ، فقد سمعتم دعوة الرسول كما سمعناها ، ووعيتم الوحي الإلهي كما وعيناه ، وكان لكم عقل كما لنا عقل ، فجمّدتم عقولكم وتمرّدتم على دعوة الله ، فما الذي يجعلكم في موقف المنفعل ، ويجعلنا في موقف الفاعل المضلّ؟
(فَحَقَّ عَلَيْنا) نحن وأنتم (قَوْلُ رَبِّنا) الذي فرض العذاب للمنحرفين عن نهجه وشريعته ، (إِنَّا لَذائِقُونَ) كل هذا العذاب الذي نقاسيه ونتجرعه ، وإذا كان هناك من مسئولية في إغوائنا لكم (فَأَغْوَيْناكُمْ إِنَّا كُنَّا غاوِينَ) فذلك هو ما عشناه في كل حركة وجودنا ، وكان لكم عقل تدركون به ذلك وتعرفون به طبيعة الوضع الذي نعيشه ، والصفة التي نحملها ، حيث أقام الله عليكم الحجة كما أقامها علينا ، فلما ذا اتبعتمونا وتركتم رسل الله ووحيه؟! (فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذابِ مُشْتَرِكُونَ) لأنهم يشتركون في طبيعة الموقف الذي يفرض العذاب ، (إِنَّا كَذلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ) الذين يتحركون في مواقع الجريمة بما تعنيه من التمرد على الله المنطلق من قاعدة الرفض المعقّد المبنيّ على غير أساس من علم أو عقل ، وهذه الجريمة على المستوى النظري الإيماني تؤدي إلى الجريمة العملية
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
