الجدل بالأسلوب الذي يمنع الناس من التفكير بها بطريقة متوازنة ، ويبعدهم عن اكتشاف الزيف الكامن في داخل هذه الكلمات ، فإذا كانوا يطرحون السحر كعنوان للآية الإلهيّة التي يقدّمها الرسول ، فإن الفكر الهادىء يستطيع اكتشاف الخلل في ذلك ، لأن للسحر قواعده وأشكاله التي لا تلتقي بهذا النوع من الظواهر ، ولكنهم يعتمدون على جهل السامعين بالموضوع ليثيروا الضباب الذي يغطّي الحقيقة إلى وقت ما.
(أَإِذا مِتْنا وَكُنَّا تُراباً وَعِظاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ) قالوها بهذه الطريقة المتسائلة على سبيل الإنكار ، ليثيروا الحسّ الساذج ضد فكرة البعث ، لأن الحسّ يستبعد إعادة الحياة إلى التراب الجامد والعظام البالية لأنه لم يجد مثالا حيّا على ذلك في تجربته السابقة ، ولأن الفكر العقلاني لا دور له في تجربتهم الفكرية العامة ... (أَوَآباؤُنَا الْأَوَّلُونَ) الذي تحوّلوا إلى تراب ، وابتعد الزمن بهم عن الحياة أجيالا وأجيالا؟! وهكذا تركز همهم على إثارة الجماهير ضد الرسول ، بطريقة انفعالية مثيرة ، ولما كانت المسألة لا تتحرك من موقع توجيه السؤال بأسلوب الإنكار ، كان الجواب بطريقة التأكيد الحاسم ، للإيحاء بالصدمة الشعورية المضادّة.
(قُلْ نَعَمْ) فهذه هي الحقيقة التي تفرض نفسها عليكم ، (وَأَنْتُمْ داخِرُونَ) أي صاغرون أذلاء ، لأن قدرة الله التي لا يمتنع عليها شيء سوف ترجعكم إلى الحياة لتواجهوا المسؤولية التي تنتهي بالعذاب على كفركم وعنادكم ، ولن تحتمل المسألة الكثير من الجهد (فَإِنَّما هِيَ زَجْرَةٌ واحِدَةٌ) فتنطلق الصيحة الواحدة التي تمثل كلمة الله وإرادته ليبعثوا من موتهم ، (فَإِذا هُمْ يَنْظُرُونَ) في ما تعنيه الكلمة من الحياة الواعية لما حولها ، المتطلعة إلى موقف المسؤولية.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
