مع صاحب تفسير الميزان
وقد قرّب صاحب تفسير الميزان استفادة معنى إعادة الخلق للجزاء بعد الموت من قوله (عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) تقريبا فلسفيا دقيقا ننقله بتمامه ، قال : «بيانه أن الإنسان مركب من نفس وبدن ، والبدن في هذه النشأة في معرض التحلّل والتبدّل دائما ، فهو لا يزال تتغير أجزاؤه ، والمركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه ، فهو في كل آن غيره في الآن السابق بشخصه ، وشخصية الإنسان محفوظة بنفسه ـ روحه ـ المجرّدة المنزهة عن المادّة والتغيرات الطارئة من قبلها المأمونة من الموت والفساد.
والمتحصل من كلامه تعالى ، أن النفس لا تموت بموت البدن وأنها محفوظة حتى ترجع إلى الله سبحانه كما تقدم استفادته من قوله تعالى : (وَقالُوا أَإِذا ضَلَلْنا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ بَلْ هُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ كافِرُونَ* قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ) [السجدة : ١٠ ـ ١١].
فالبدن اللّاحق من الإنسان إذا اعتبر بالقياس إلى البدن السابق منه كان مثله لا عينه ، لكن الإنسان ذا البدن اللاحق إذا قيس إلى الإنسان ذي البدن السابق كان عينه لا مثله ، لأن الشخصية بالنفس وهي واحدة بعينها.
ولما كان استبعاد المشركين في قولهم : (مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) راجعا إلى خلق البدن الجديد دون النفس ، أجاب سبحانه بإثبات إمكان خلق مثلهم ، وأمّا عودهم بأعيانهم فهو إنما يتم بتعلق النفوس والأرواح المحفوظة عند الله بالأبدان المخلوقة جديدا ، فتكون الأشخاص الموجودين في الدنيا من الناس بأعيانهم ، كما قال تعالى : (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى) [الأحقاف : ٣٣] فعلق الإحياء على الموتى
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
