(الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ ناراً فَإِذا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ) وهذا تقريب حسّي للفكرة المعنوية التي تسيطر على أذهانهم في استبعاد انطلاق الحياة من قلب الواقع المادي للموت في مسألة البعث ، لأن الحياة والموت حقيقتان متضادتان ، فهذا المثل يصوّر خروج النار من قلب الشجر الأخضر الذي يقطر ماء ، والمراد منه ـ كما جاء في مجمع البيان ـ «المرخ والعفار ، وهما شجرتان يتخذ الأعراب زنودها منهما» (١). وتقول العرب : في كل شجر نار واستمجد المرخ والعفار ، أي استفضلا واستكثرا من النار كأنهما أخذا من النار ما هو حسبهما فصلحا للاقتداح بهما ، فيجعل العفار زندا أسفل ويجعل المرخ زندا أعلى ، فيسحق الأعلى على الأسفل فتنقدح النار بإذن الله ، وبذلك تبرز الفكرة في نطاق القدرة ، فإذا كان الله قادرا على أن يجعل النار من قلب الشجرة الخضراء ، فهو قادر على أن يجعل الميّت حيّا ، لأن مشاكل التفاعل بينهما تتحدى قدرة الإنسان ولا تتحدى قدرة الله سبحانه.
(أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِقادِرٍ عَلى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ) وهذا هو السؤال الكبير الذي يواجه المنكرين للبعث ، فهم يقرّون بأن الله هو الذي خلق السماوات والأرض ، في هذا النظام البديع الرائع الذي يتحرك بكل دقّة وإتقان وروعة في دائرة القوانين الطبيعية المودعة في داخله ، بكل مفردات الظواهر المتحركة فيها ، فإذا كانت القدرة الإلهية بهذا المستوى العظيم ، فهل يعجز عن خلق هذه المخلوقات الإنسانية الصغيرة التي تتجمع من أجزاء مادية متناثرة محدودة ، ونفس حيّة وكلها في علم الله ، وذلك بإعادتها من جديد؟! (بَلى) فإن القادر على الوجودات الضخمة قادر على الوجودات الصغيرة (وَهُوَ الْخَلَّاقُ) الذي يخلق خلقا بعد خلق ، (الْعَلِيمُ) الذي يحيط بكل عناصر خلقه وبكل أوضاعها.
__________________
(١) مجمع البيان ، ج : ٤ ، ص : ٦٧٩.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
