(وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ)
في هذا الفصل من السورة ـ وهو الفصل الأخير ـ حديث صريح عن البعث بعد الموت (أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسانُ) الذي يشاهد عملية الخلق في أمثاله من البشر الذين من حوله أو من صلبه ، (أَنَّا خَلَقْناهُ مِنْ نُطْفَةٍ) كانت البداية في رحلة الحياة ، فتحوّلت إلى علقة ، ثم صارت مضغة ، ثم تحوّلت المضغة حتى صارت عظاما ، فكسونا العظام لحما ، وكانت النهاية هي اكتمال الخلق الذي يمثله هذا المخلوق السويّ الكامل الذي يفكر ويبصر ويسمع ويتحرك ، (فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ) يثير الجدل المتحرك في أكثر من موقع حول التوحيد والبعث ، فكيف يجادل في ذلك وهو يرى عظمة القدرة في خلقه الذي يكشف عن عظمة الخالق الذي خلقه؟ وكيف يجادل في البعث وهو يرى عظمة البدء التي تطلّ على إمكانية الإعادة؟
(وَضَرَبَ لَنا مَثَلاً) في ما طرحه من العظام البالية التي تتفتت ، وتساءل متعجبا من طرح فكرة المعاد من موقع الحقيقة ، (وَنَسِيَ خَلْقَهُ) فلم يلتفت إلى عمق القدرة وروعة الإبداع في مسألة الإيجاد من عدم ، أي لم يسبقه نموذج ولا مثال ، (قالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) أي بالية ... قالها ، وهو مستغرق في غفلته ، مشدود إلى القدرات المحدودة المحيطة به ، العاجزة عن أيّ شيء من هذا القبيل ، من خلال الموقع المادي للقدرة.
(قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَها أَوَّلَ مَرَّةٍ) فأنت لا تنكر الخالق الذي خلق الإنسان وخلق لحمه وعظامه ، فإذا كنت تعترف به فإنك تستطيع أن تأخذ فكرة عن إمكان البعث ، لأن القادر على الإيجاد من العدم قادر على الإعادة ، لأن عملية الإيجاد الثاني ، مسبوقة بالنموذج ، مما يجعله أقرب إلى السهولة من الإيجاد الأول الذي لم يسبق بمثال ... (وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ) لإحاطته بكل عناصره التي تحكم عملية الوجود ، فلا يمتنع عليه شيء من جهة العلم ولا من جهة القدرة.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
