وهكذا توحي هذه الكلمات المتقابلة ، والموجودات المختلفة ، بما يماثلها في الوجود الإنساني وبما حوله ، فالأعمى يماثل الكافر ، والبصير يماثل المؤمن ، لأن الكفر ضياع وتخبط وانحراف ، أمّا الإيمان فهو استقامة وهدى واطمئنان ، والظلمات هي شبهات الكفر وأضاليله وأوهامه والنور هو الإسلام بعقيدته وشريعته ونهجه السويّ ، والظل هو الجوّ الروحي الوديع المنعش الذي يوحي بالدعة والسكينة ، والحرور هو الشهوات المحرقة التي تتحول إلى لهيب يحرق الحياة في داخل النفس ، والأحياء هم المؤمنون المسلمون الذين فتحوا عقولهم وأسماعهم وأبصارهم على كلام الله ، وتحرّكوا في الاتجاه السليم الذي ينطلق منه ويرجع إليه ، والأموات هم الذين تجمّدت عقولهم ، وتحجّرت مشاعرهم ، فلم يلتقوا بالروح الإيمانية التي تتحرك في آفاق الوحي ، لأنهم لا يعيشون نبض الحياة الشاعرة في أعماق ذواتهم ، لذا لا بد للإنسان ، أن يستوحي المعنى من الكلمة ، والروح من المادة ، والفكرة من حركة الحياة.
(إِنَّ اللهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشاءُ) حيث يفتح القلوب والأسماع على كلماته ، ويحيي القلوب بعد موتها بالإيمان ، فيقيم عليها الحجة ، ويهديها الصراط المستقيم. وهكذا نجد أن المؤمنين ـ وحدهم ـ هم الذين يسمعون ويعقلون ، أمّا غيرهم فهم كالأموات لا يسمعون شيئا ولا يعقلون ، لأنهم جمّدوا أسماعهم عن الاستماع إلى كلام الله ، وأماتوا حياة قلوبهم فلم تهتد إلى وحي الله ، (وَما أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ) وهم الكفار الذين طبع الله على قلوبهم فهم لا يفقهون.
(إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ) فتلك هي مهمتك الأولى والأخيرة ، أمّا الهداية بالوسائل غير العادية التي تقتحم فيها قلوبهم بطريق المعجزة ، أو تفتح فيها أسماعهم بطريق القهر ، أمّا هذا ، فليس من مهمتك ، ولذلك فلا مجال لأن
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٩ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3284_tafsir-men-wahi-alquran-19%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
