فيه من تقلّب القلوب والأبصار ، وإنما يخافون هذا التقلب لما في أحد شقّيه من الحرمان من نور الله والنظر إلى كرامته ، وهو الشقاء الدائم والعذاب الخالد ، وفي الحقيقة يخافون أنفسهم» (١).
ولكن الظاهر هو الوجه الأول ، لأن المسألة المطروحة هي الخوف الذي يدفع إلى الانضباط على خط الطاعة والتقوى ، مما يجعل القضية قضية الهول الذي يواجههم في يوم القيامة ، الذي تكرر الحديث عنه في القرآن كما في قوله تعالى : (إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً) [الإنسان : ١٠] ، لأن الصفة التي يؤكدها القرآن في حديثه عن يوم القيامة ، هي الجوّ المرعب الذي يحكم ذلك اليوم ؛ والله العالم.
(لِيَجْزِيَهُمُ اللهُ أَحْسَنَ ما عَمِلُوا) وتلك هي غاية العمل الذي يقومون به في خط التقوى والإخلاص لله والانفتاح عليه ، وسينالون الجزاء عليه بالدرجة الأحسن والأفضل بحيث يجزيهم في كل باب جزاء أحسن عمل في ذلك الباب ... ومرجع ذلك ـ في ما يقوله بعض المفسرين ـ إلى أنه ـ تعالى ـ يزكي. أعمالهم ، فلا يناقش فيها بالمؤاخذة في جهات توجب نقصها وانحطاط قدرها ، فيعد الحسن منها أحسن (٢). وربما كان المقصود به هو الجزاء المضاعف ، كقوله تعالى : (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ) [يونس : ٢٦](وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ) في ما يتفضل به عليهم ، مما قد لا تقتضيه طبيعة العمل من جزاء ، وذلك ما نستوحيه من الآيات التي تتحدث عن العطاء الإلهي بدون حساب ، كما في قوله تعالى : (أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ* لَهُمْ ما يَشاؤُنَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذلِكَ جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ) [الزمر : ٣٣ ـ ٣٤].
(وَاللهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ) وذلك في ما تكفّل لهم من رزقه في
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ١٥ ، ص : ١٢٨ ـ ١٢٩.
(٢) (م. ن) ، ج : ١٥ ، ص : ١٢٩.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
