بطلان استقلال المستعلى عليه في تدبيره وتأثيره ، إذ لا يجامع توقف التدبير على الغير والحاجة إليه الاستقلال ، فيكون السافل منها مستمدا في تأثيره محتاجا فيه إلى العالي ، فيكون سببا من الأسباب التي يتوسّل بها إلى تدبير ما دونه ، لا إلها مستقلا بالتأثير دونه ، فيكون ما فرض إلها غير إله بل سببا يدبّر به الأمر ، هذا خلف» (١).
ولكن هذا التفسير ـ على طرافته ـ لا ينسجم مع طبيعة التعبير ، والجوّ الذي يريد إثارته في الذهنية البسيطة العامة ، التي لم تكن لتتصور مسألة التعدد إلا بالطريقة التي تتعدد فيها المواقع السلطوية في ساحة الصراع ، فتمتد إلى أن يعلو أحد الطرفين أو الأطراف على الآخر لتكون السلطة له وحده ، وهذا هو الذي استخدمه القرآن في كلمة العلوّ التي ذكرها في قوله تعالى عن فرعون : (إِنَّهُ كانَ عالِياً) [الدخان : ٣١] وعن الذين جعل الله لهم الدار الآخرة لأنهم : (لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا) [القصص : ٨٣] ، وذلك هو معنى السلطة والسيطرة والكبرياء ، في ما يتمثل في طبيعة الشخص وفي موقعه ، لا في طبيعة الدور الذي يمارسه من حيث توقفه على شيء آخر لا يتحقق بدونه. ولعل النظرة الوجدانية إلى طبيعة التعبير ، توضح لنا كيف تبتعد الكلمة عن المعنى الذي ذكره العلّامة الطباطبائي في هذه الآية ، والله العالم.
(سُبْحانَ اللهِ عَمَّا يَصِفُونَ) من نسبة الولد أو من نسبة الشريك إليه ، مما لا يمكن أن ينسب إليه ، (عالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ) المحيط بكل شيء ، وليس هناك أحد يحيط بما يحيط به ، فهو المتفرد في علمه ، وهو المتفرد في قدرته ، (فَتَعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ) من كل هؤلاء الذين لا يملكون من العلم شيئا ، ولا يملكون من القدرة أيّ نصيب.
* * *
__________________
(١) تفسير الميزان ، ج : ١٥ ، ص : ٦٢ ـ ٦٣.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٦ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3281_tafsir-men-wahi-alquran-16%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
