الذي يمتد من روح الإنسان المتحركة بالخير ، إلى حياة الآخرين ، ليشبع جائعا وليروي ظامئا وليكسو عريانا وليغيث ملهوفا ، وليقضي حاجة وليفرّج كربة وليقوّي ضعيفا أو يعلم جاهلا ، أو يهدي ضالا ، إلى غير ذلك من موارد الإنفاق في سبيل الله الذي يتحرك في حالة السر عند ما تدعوا الحاجة إلى الإسرار بالإنفاق لحفظ كرامة الإنسان المحتاج ، أو يتحرك في حالة الإعلان عند ما تدعو الحاجة إلى الإعلان ، لتشجيع الآخرين على ذلك أو لتسجيل موقف في هذا المجال المصلحة إنسانية أو إسلامية.
(وَيَدْرَؤُنَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ) بانفتاحهم على الجانب الإنساني الخير من شخصية الإنسان الذي يعيش رحابة الصدر ، وسعة الأفق وإنسانية النظرة وروحية المعاملة ، فلا يتعقد من الإسائة إليه ليتحول ذلك إلى حالة مرضية في نفسه ، بل يحاول أن يمتص السلبيات ليحوّلها إلى إيجابيات ، ويواجه السيئات بروحية تطمح إلى تبديلها بالحسنات ، فيحسن لمن أساء إليه ، ويعفو عمن اعتدى عليه ، ويصل من قطعه ، حتى يجعل من ذلك حافزا يدفع الطرف الآخر للتراجع عن خطئه ، والرجوع إلى ربه ، انطلاقا من القناعة بأن الفعل الأخلاقي متعلق بالإحساس الداخلي بالمبدأ ، لا من موقف رد الفعل ، باعتبار القيمة الأخلاقية عملية تبادلية يقدم فيها الإنسان إلى الآخرين مقابل ما قدموه إليه ، أو ينتظرهم ليتسلموا زمام المبادرة في عمل الخير معه.
وعلى ضوء ذلك ، نستطيع أن يفهم كيف يعدّ الإسلام الإنسان المسلم لقيادة الحياة من حوله ، ليتغلب على كل سلبياتها الانفعالية ، بواسطة عقله الذي يخطط للمستقبل الواسع ، إذا فكر الناس من حوله بالزوايا الضيقة للحاضر ، وبواسطة روحه التي تنفتح على مشاكل الآخرين ، بالروحية التي تعمل على حلها ، لا على تعقيدها ، فإن ذلك هو السبيل للسيطرة على الساحة ، بسياسة الاحتواء الفكري والأخلاقي الذي لا يترك جانبا فارغا من الخير ، أو من الحركة الجدية في اتجاه التجربة الواقعية لأعمال الخير.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
