جوهر الصلابة والثبات ، (فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ) تبعا للعمق الذي يتمثل فيه الخير والحياة ، (كَذلِكَ يَضْرِبُ اللهُ الْأَمْثالَ) ليفهم الإنسان الصورة في الفكر من خلال الصورة في الواقع ، وهذا هو الأسلوب التربوي القرآني الذي يعتبر الواقع أساسا للمعرفة ، حيث يكمن التقاء الحس بالتصوّر المجرد ، فيخلق التوازن في وعي الإنسان للفكرة.
وهكذا يستطيع الإنسان أن ينفذ إلى آفاق المعرفة المختلفة في أنواعها ، التي منها المعرفة التجريدية التي تمثل ترفا فكريا لا فائدة منه في حركة الحياة ، سواء على مستوى العقيدة أو العمل ، وهو جهد قد يحرّك الفكر في معادلاته ، ولكنه لا يحقق له أيّ غنى في العمق وفي الامتداد ، بل يتبخر تماما كما يتبخّر الزبد الطافي على وجه الماء أو المعدن.
ومنها المعرفة الواقعية التي تمثل تلبية لحاجة فكرية على مستوى إغناء العقيدة وتأسيس القاعدة الفكرية التي ينطلق منها الإنسان في حياته العامة والخاصة ، وتدفعه إلى إغناء تجربته العملية من خلال وعي أسرار الحياة والظواهر الكونية والإنسانية ، والموجودات المتنوعة من حوله ، والاستفادة منها في تطوير وتنظيم أوضاعه الحياتية والاجتماعية والثقافية والحضارية.
إنه الفرق بين المعرفة التي لا يثبت منها شيء ينفع الناس ، وبين المعرفة التي تنفع الحاضر والمستقبل. فلا بد للإنسان من أن يحسن الاختيار ، فلا يختار إلا ما ينفع ويمكث في قضايا الحياة والمصير ، ويتخفّف من الثقافة النظرية التي لا تلبي أي حاجة إنسانية على مستوى الفكر والعمل ، كما حصل في عصور التخلّف ، التي أغرقت الفكر الإنساني بالكثير من المعادلات الافتراضية والحذلقات اللفظية ، والألغاز والمعمّيات وغيرها مما لا يسمن ولا يغني من جوع.
(لِلَّذِينَ اسْتَجابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنى) ، هؤلاء الذين أقبلوا على دعوة الحق في
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
