ذلك ، أن اللطف والرفق واللين في مقام الدعوة يشعر الإنسان بإنسانيته ويوحي له ـ بطريقة عفوية ـ أنه أمام دعوة تفيض بالحب والحنان والخير.
* * *
الجدال بالتي هي أحسن
أما الفقرة الثانية وهي قوله تعالى : (وَجادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) قد نستطيع اعتبارها بمثابة الإرشاد إلى الطرق التي يواجه بها الداعية المسلم رد فعل المخاطب على الدعوة نفسها.
لقد أخذ القرآن الكريم بعين الاعتبار الكفار وأصحاب العقائد الإسلامية ، وعرف أن الداعية سيصطدم بهم ، نتيجة اختلاف أفكارهم مع دعوته واتجاه الدعوة لتحطيم معتقداتهم. لقد أخذ القرآن الكريم بكل ذلك بعين الاعتبار ، وهو يعلم ما سينتهي إليه الداعية ـ لو ترك وطبيعته ـ في هذه الأجواء من ميل للثأر لعقيدته ، حيث لا يمكن أن تربح الدعوة إلا مزيدا من المشاكل ومزيدا من عوامل الإثارة العاطفية التي هي في غنى عنها.
لذا توجه القرآن إلى هذه الناحية ، وحاول أن يروّض نفس الداعية ويوسّع آفاقه ، فيخرجه من نطاق ذاته إلى نطاق الحقيقة الواسع ويبعد عنه الكبرياء الكاذبة التي تعتريه عند ما تهاجم ذاته ، ليأخذ بيده إلى التسامح ومراعاة ظروف الآخرين وملاحظة واقعهم النفسي والعقلي.
وهو يحاول أن يلقي في روح الداعية تقبل مهاجمة دعوته من قبل خصومها كأمر طبيعي جدا ينبغي تقبله كما الأمور الطبيعية التي نعيشها في حياتنا ، وأن من وظيفته ـ كداعية ـ أن يكسب هؤلاء الخصوم إلى صف الدعوة ، ويقربهم إلى عقيدتها ، ويربح فكرهم وإيمانهم ، لا أن يحطمهم
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
