ويغلبهم ، فليست مهمة الداعية هي مهمة من ينشد الغلبة على خصمه لإشباع نزوعه إلى التفوق وإحساسه بالعظمة ، بل هي مهمة الإنسان الذي يمارس إنسانيته بإعانة خصمه على التحرر من رواسب كفره ، والأخذ بيده نحو هذا السبيل ، ليصبح صديقا له ورفيقا في رحلة الدعوة إلى الله.
وبهذا كان الجدل بالتي هي أحسن هو الطريقة المثلى للوصول إلى ذلك الهدف وبلوغ تلكم الغاية ، فإننا نلاحظ أن طرق الجدل التي تعتمد التماس نقاط ضعف الآخر واستغلالها في توجيه الضربات المتلاحقة إليه ، بأسلوب عنيف لا يحترم ذات الآخر وفكره ، لا تملك أن تقدم للعقيدة ـ أية عقيدة كانت ـ مؤمنا يعيش الإيمان بروحه وعقله ، وذلك لأن هذه الطرق تطعن كبرياء الإنسان وكرامته في الصميم وتوحي له بأنه يقف موقف المغلوب في فكره وعقيدته وموقف المهزوم في ميدان الصراع الذي يشعر بأنه لا يستطيع ربح المعركة ولكنه لا يعتقد بأن الحق في جانب خصمه ، ومن الطبيعي جدا أن يتغلب كبرياء الإنسان وعناده في كثير من الأحيان ، على رغبته في الوصول إلى الحق ، وهنا لا يمكن للموقف أن يقدم لنا سوى مزيد من المناقشات اللفظية والهامشية التي لا تقدم ولا تؤخر شيئا في الموضوع.
من هنا ، وبوحي من شعورنا بعقم الطريقة السابقة ، نجد أنه لا بد من طريقة تشعر المخاطب بأنه رفيق في رحلة الوصول إلى الحق ، وأنه محترم في ذاته وتفكيره ، حينئذ لا تقف الكبرياء عقبة في الطريق ، لأن الإنسان لا يشعر في هذا الجو بالاضطهاد ، وإنما يشعر ـ بدلا من ذلك ـ بالعزة والكرامة ، لأنه على طريق كشف الحقيقة والوصول إلى سبيل أفضل ، دون أن يكون في البين مهزوم ومنتصر أو غالب ومغلوب ، وإنما هو الهدف المشترك والسبيل الواحد.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
