قائما مقام جماعة في عبادة الله نحو قولهم : فلان في نفسه قبيلة (١) ، وقيل معناه الإمام المقتدى به ، وقيل إنه كان أمة منحصرة في واحد مدّة من الزمان لم يكن على الأرض موحّد يوحّد الله غيره. وعلى ضوء هذه التفاسير ، نلتقي بشخصية إبراهيم التي تتجمّع فيها خصائص الإنسان الذي تعيش شخصية الأمة فيه وتمتد منه في حركة رسالته ، وتلتقي في أجوائه الروحية ، روحية الجماعة في صورة الفرد .. وربما كان السرّ في ذلك ، أن الرساليين ، ولا سيما الأنبياء منهم ، لا ينطلقون من حالة ذاتية ، تتحول معها الذات إلى دائرة مغلقة تحجبهم عن الآخرين ، وتخنق في داخلهم روح الامتداد ، بل ينطلقون من الروح الرسالية التي تمتد في شخصيتهم ، لتحوي الأمة بأسرها في حركة الرسالة ، فيسقط الحاجز بين روح الفرد وروح الجماعة.
(قانِتاً لِلَّهِ) يعيش الطاعة لله ، والعبادة له كطبيعة ذاتية تملك الدوام والاستمرار (حَنِيفاً) مائلا عن خط التطرف إلى دائرة الاعتدال في الإخلاص للخط المستقيم الذي يمثله التوحيد.
(وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) بل عاش التوحيد في روحه وفكره ووجدانه ، كأفضل ما يكون التوحيد ، وأيّ توحيد أصفى وأنقى من الإسلام لله في كل شيء ، حتى إذا خيّر بين أن يطيع الله في ذبح ولده وبين أن يستسلم لعاطفته في الامتناع عن ذلك ، اختار الاستسلام لله على الاستسلام لعاطفته (شاكِراً لِأَنْعُمِهِ) في إخلاصه لله في عبوديته ، في ما يمثله ذلك من سموّ الشكر وعلوّ شأنه ، (اجْتَباهُ) أي اختاره واصطفاه لرسالته ، لأنه يمثل الشخص الذي تتحرك الرسالة في حياته الداخلية كجزء من ذاته (وَهَداهُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ) لما منحه من وضوح الرؤية لما حوله ، ولما أوحى به إليه من رسالته التي تحدد له الطريق وتخطط له خط السير (وَآتَيْناهُ فِي الدُّنْيا حَسَنَةً) ربما كان المراد بها
__________________
(١) مفردات الراغب ، ص : ١٩.
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
