وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصارِهِمْ) فإن اختيار الإنسان لأيّ موقف تجاه مسألة معينة يغلق قلبه وسمعه وبصره عن رؤية الجانب الآخر من المسألة ، حتى بمستوى الاحتمال الوجداني ، فيتعصب الإنسان لموقفه ، فلا يسمح لأيّ شيء آخر أن يقترب من قناعاته ، وبذلك يكون هو من أغلق قلبه وسمعه وبصره ، بالتزامه السبب الذي أدّى إلى ذلك .. أمّا نسبته إلى الله ، فلأن الله هو الذي جعل السببيّة بين المقدمات والنتائج ، وإن كانت المقدمات بيد الإنسان ، (وَأُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ) الذين استغرقتهم أجواء الكفر ، فغفلوا عن أجواء الإيمان وعن النتائج السلبية التي تحكم موقفهم في الحاضر والمستقبل.
(لا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخاسِرُونَ) لأنهم لم يأخذوا بأسباب الربح في الدنيا ، وأخذوا بأسباب الخسارة ، فواجهوا نتائجها الخاسرة من مواقع الغفلة المطبقة على الحواس والعقول.
(ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِنْ بَعْدِ ما فُتِنُوا) وهم المؤمنون الذين كانوا يتعرضون للبلاء والتعذيب من قبل المشركين الذين أرادوا بذلك أن يفتنوهم عن دينهم ، وينحرفوا بهم عن الخط المستقيم ، ولكنهم قاوموا كل وسائل الضغط والتعذيب ، ورفضوا التنازل عن مواقفهم ، ولما اشتد عليهم الضغط وخافوا أن يضعفوا ، هاجروا إلى مواقع أخرى ، ليحصلوا على القوة فيها ويعودوا إلى مواقعهم الأولى من خلال الجهاد (ثُمَّ جاهَدُوا وَصَبَرُوا) لما يفرضه الجهاد على المجاهدين من الصبر الذي يتحدى كل الآلام والخسائر والمشاعر الحميمة التي تثقلها الهجرة ، ويثقلها العذاب (إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) يغفر ذنوبهم التي كانوا قد ارتكبوها في ساحة التجربة ويفيض عليهم من رحمته التي تنهمر عليهم باللطف والرضوان والنعيم في الدنيا والآخرة.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
