مستقيم ، لأن اهتزاز الالتزام بالعهد ، يفرض الاهتزاز في كل المشاريع الاجتماعية والسياسية والاقتصادية ، ويفقد الناس الأرض الثابتة التي يقفون عليها في تطلّعهم إلى المستقبل (وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها) لأن لليمين معنى مقدّسا يرتبط بالله ، لما يوحيه من تقرير الكفالة الإلهية لما أقسم عليه من فعل أو علاقة ، مما يجعل من نقضه إهانة لحرمة الله حيث جعله شاهدا وكفيلا في قضية لا أساس لها في الواقع ، وهذا ما تعنيه الكلمة القرآنية (وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً) فهو من يكفل التزامكم بالعمل ، ويتحمل مسئوليته ، فكيف يمكن أن تمارسوا ذلك وأنتم عازمون على الإخلال باليمين ونقضه ، (إِنَّ اللهَ يَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ) فهو المطلع على سرائركم في ما تفيضون فيه أو تعزمون عليه ، فراقبوه في كل شيء ، لأن وراء كل عمل حسابا وثوابا وعقابا.
(وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً) من يبرم العهد ويؤكده على نفسه أمام الله للآخرين ، ليثقوا في حصول ما عاهدهم عليه ، ثم ينقضه ، كحال المرأة الحمقاء التي كانت تجهد نفسها بغزل الصوف ثم تنقضه بعد ذلك من بعد قوة وتنكثه ، وهي كما نقل عن الكلبي ، امرأة من قريش كانت تغزل مع جواريها إلى انتصاف النهار ثم تأمرهن أن ينقضن غزلهن ولا يزال ذلك دأبها ، وكانت تسمى خرقاء مكة ، (تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ) أي تتخذون أيمانكم أداة لخداع الناس وخيانتهم حيث توحون لهم من خلال الأيمان المغلظة ، أنكم سوف تقومون بطريقة لا تقبل الشك بما حلفتم عليه ، حتى إذا ما وثقوا بكم وحصلتم على ما تريدون ، نقضتم كل ما أبرمتموه ، ونكثتم بكل ما عاهدتم عليه (أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ) وغرضكم من ذلك الحصول على زيادة تتميزون بها عن الآخرين ، في مال أو فرصة أو جاه ، ونحو ذلك مما يتسابق الناس إليه ويتصارعون من أجل التفاضل فيه بأساليب الخداع والغش والخيانة ، (إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللهُ بِهِ) فهو وسيلة من وسائل الاختبار الإلهي ، حيث يضعكم الله أمام التجربة الحاسمة التي تتيح لكم فرصة الاستقامة مع
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
