ومنع الرسالة من الوصول إلى قناعات الناس وأفكارهم ، والضغط على دعاتها وأتباعها بكل الوسائل التي تمنعهم من تحقيق أهدافهم الخيّرة في الحياة. وبذلك ساهموا في تعطيل حركة الحق والخير والعدل ، فأفسدوا الواقع بطريقة سلبية من هذه الجهة ، كما أفسدوه بطريقة إيجابية مضادّة ، من جهة أخرى ، في ما قاموا به من الدعوة للكفر ، وإفساح المجال لقيمه الشريرة لتتركز في الأرض ، فاستحقوا العذاب ضعفين ، من خلال إفسادهم لحياتهم ولحياة الناس من حولهم ، كما جاء في آية أخرى : (وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقالَهُمْ وَأَثْقالاً مَعَ أَثْقالِهِمْ) [العنكبوت : ١٣] ، (وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ) لأن قيمة الشهيد من الداخل ، أنه يفهم القضايا المحيطة بالمسألة بعمق ، فلا يكتفي بظواهرها ، بل ينفذ إلى بواطنها ، حيث المشاعر التي تفسّر كثيرا من الأوضاع والخلفيات التي تتحرك من خلالها قضايا الواقع ، مما لا يمكن أن يفهمه الآخرون الذين يأتون من خارج المجتمع غالبا إلا بجهد كبير. وقد كرر هذه الفقرة في هذه الآية ، تمهيدا للفقرة التالية (وَجِئْنا بِكَ شَهِيداً عَلى هؤُلاءِ) والظاهر أن الإشارة بهؤلاء إلى الذين كذبوا محمدا صلىاللهعليهوآلهوسلم من قريش وغيرهم ، ولكن ليس معنى ذلك اختصاص شهادة الرسول بهؤلاء ، لأن التعبير لا ينفي امتداد شهادته لغيرهم ، باعتبار أن الحديث يتحرك في أجواء المواقع التي نزلت فيها الآية ، وتبقى للآيات الأخرى ، وللفكرة العامة التي تتحرك ـ على أساسها ـ الشهادة ، ما يمكن أن يكون بيانا لسعة المساحة الزمنية والمكانية التي تنطلق فيها شهادة النبي على أمته ، في زمانه وغير زمانه ، ولكن بشكل مباشر تارة ، وبشكل غير مباشر أخرى.
* * *
![تفسير من وحي القرآن [ ج ١٣ ] تفسير من وحي القرآن](/_next/image?url=https%3A%2F%2Flib.rafed.net%2FBooks%2F3276_tafsir-men-wahi-alquran-13%2Fimages%2Fcover.jpg&w=640&q=75)
